النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

النائبات السمر في الكونغرس الأمريكي..

رابط مختصر
العدد 11134 الخميس 3 أكتوبر 2019 الموافق 4 صفر 1440

في أغسطس الماضي أثار السيد ترامب، الرئيس الامريكي، زوبعة شبه سونامية بخطابه الذي توجه به إلى أربع عضوات في الكونغرس، سمر البشرة حديثي الهجرة إلى أمريكا، يقول لهن أن يعدن إلى أوطانهن حيث الجريمة والفساد، وهذا الكلام يوحي، بنبرة صريحة، بأن من الأجدر عليهن أن يناضلن في أوطان آبائهن، وأنهن لا يضفن قيمة ديمقراطية في أمريكا، بل أن أوطانهن الأصلية في حاجة إلى أنشطتهن النضالية من أجل الديمقراطية ودولة القانون... وهذه عودة إلى موضوع خطاب الرئيس الامريكي ذات النفس العنصري بعد أن هدأت عاصفة الجدل والتنديد والاستنكار من جانب، والترحيب الصريح والمبطن من الجانب المؤيد، وهذا الجانب الآخر له قاعدة شعبية مرتبطة باليمين من أقصى اليمين والمعبر بدوره عن بارونات المال وملوك الاقتصاد الذين يحركون ويوجهون عجلة النظام الرأسمالي على المستوى العالمي. والخطاب بالمعنى الراسمالي ليس ضد هجرة اليد العاملة إلى أمريكا، بل أنه يوجه رسالة إلى هذه اليد العاملة الآتية للاسترزاق في حقول الصناعة الامريكية الضخمة وفي المؤسسات اللاحقة والتابعة بها، بأن عليها أن تلزم حدودها بالعمل في عجلة الانتاج الصناعي وفي ساحات الخدمة المتنوعة وأنّه ليس من حقها أن ترتقي بالعمل في السياسة، لأن آبواب الساحة السياسية ليست مشرعة ولا مشرعنة إلاّ لأحفاد أحفاد المهاجرين الأُوَلْ الذين خاضوا حروب الإبادة ضد السكان الأصليين، والذين أسسوا أمريكا التي نعرفها اليوم، فالخطاب يحمل رسالة واضحة إلى أبناء المهاجرين حديثاً إلى أمريكا وهو ضرورة الالتزام بحدود العمل في مساحات البنية التحتية وليس في صالات البنية الفوقية. هذه هي الرسالة الأولى التي تضمهنا الخطاب بشكل شبه صريح، والرسالة حق أريد به باطل... نائبات، سمر جميلات متحمسات للعمل السياسي وفي جعبة نفوسهن طموح لا يعرف مداه، جئن من دول فاسدة تنزلق إلى هاوية الفشل ويسودها ثقافة الغاب، مشدودة بين قسوة الاستبداد وعهر النفاق... ماذا لو كُنَّ في ديارهن - حيث الحاجة الماسة إلى عقولهن وحماسهن ونشاطهن ونضالهن من أجل دحر الفساد والنفاق وإعلاء الحق بدولة القانون - وشاءت ثقافة الغاب في تلك الديار أن يصلن إلى دائرة الحكم أو يصبحن أدواتاً للمستبد في ثوب وزير أو مسؤول أو مستشار أو حتى نائب في برلمان مدجن... واضح أن لهن طموحات سياسية، وإلاّ ما كن قد وصلن إلى الكونغرس الامريكي، فلو أن الطموح السياسي عندهن قد بقى في الوطن الاصلي كيف كان يمكن أن يتشكل وبأي ثوب كان سيتلون ؟... إن الطموح يتشكل ويتلون حسب التربة التي ينبت فيها... فالطموح، وخاصة السياسي، يختلف شكله ولونه في دولة القانون مقارنة بدولة الاستبداد... هذه هي الرسالة الاولى، هي واضحة... ولكن الخطاب يحمل رسالة ثانية لا يتحسسها إلاّ قاسى في الماضي تأثيرها وأفعالها.

الرسالة الأخرى مبطنة وغير محسوسة، بشكل مباشر، وقد أحست بها وعبّرت عنها صحيفة ها آرتس الاسرائيلية، وهذه الصحيفة الاسرائيلية تعبر عن الفكر والنهج الصهيوني في الدولة التي تاسست على أن تكون دولة ليهود العالم، هذه الصحيفة عبّرت بكل وضوح عن تخوفها على مستقبل دولة اسرائيل واليهود من عنصرية خطاب ترامپ... التخوف الإسرائيلي له مبرراته التاريخية، فهو نابع من تجربة اليهود مع اليمين العنصري الديني منه والسياسي، من نازية وفاشية وما قبلهما وما قد ياتي بعدهما، وتتحسس البعد العنصري في خطاب ترامب اليميني، وكيف أنّه يمكن أن ترتد عليها العنصرية اليمينية التي أخذت تطل برأسها في أمريكا وأوروبا بعد غياب يربو على السبعين عاماً بعد دحر النازية الالمانية والفاشية الايطالية، وهذا هو مأزق اليهود في دولة الاحتلال الاسرائيلي، فهذه الدولة تعتمد على الغرب عامة و أمريكا خاصة من أجل ضمان استمرار وجودها، فهي تفتقر إلى المقومات الذاتية. التخوف الاسرائيلي لم يأتِ من فراغ، فمعاداة السامية في أمريكا لها تاريخها و لها جذور لم تقطع من أصلها، واليهودية كانت إلى ما قبل الاربعينيات من القرن الماضي مستنكرة ومرفوضة، دينياً وسياسياً واجتماعياً وكان الاضطهاد ضد اليهود شرعياً، والاضطهاد ضد اليهود واليهودية كان دائماً من الغرب جغرافياً ومن اليمين فكراً وعقيدة، وكان الشرق ملاذاً آمناً لليهود قياساً بالاضطهاد في الغرب... وبعد الثورة الفرنسية، التي خففت الخناق علـي اليهود، وبروز قطبين سياسيين، اليمين واليسار، كان اليسار هو ملاذ اليهود، بعد الحرب العالمية الاولى وصعود رصيد الرأسمالية تقلصت الهوة بين اليهود والغرب الرأسمالي بفضل الحركة الصهيونية التي تمثل النخبة الاقتصادية والعلمية عند اليهود، فحصل اليهود على وطن قومي، ولكن على أرض بعيدة عن جغرافية الغرب، وفلسطين لم تكن الخيار الاول ولا الوحيد... وإبعاد وطن اليهود، بهذا القرار الغربي، عن جغرافية الغرب، يحمل بحد ذاته هاجساً غربياً مبطناً من اليهود واليهودية، وما هذا بخاف على اصحاب القرار وقادة وطن اليهود، فالصهيونية في تحالفها مع الغرب الرأسمالي تعيش في قلق دائم وهي تتقلب على صفيح ساخن لم يتحقق لها أن تبرد رغم الرباط الذي يبدو مقدساً في ظاهره بين الغرب واسرائيل... اليهود والصهيونية واسرائيل، ليس هناك من بعبع يرعبهم أكثر من اليمين العنصري الآت من الغرب، واليمين الاسرائيلي الذي يتعامل بعنصرية مع الفلسطينيين والعرب إلاّ أنّه قلق بتوجس ورهبة من اليمين العنصري في الغرب... وفي السياسة ليس هناك من رباط مقدس ولا تحالف دائم، بل مصالح دائمة، وتتغير أركان المصالح مع تغير الظروف الموضوعية والتحولات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها