النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

ثقافة «الخشخشة»:

الديناصور وقراءة رموز خرائط التجدد!

رابط مختصر
العدد 11133 الأربعاء 2 أكتوبر 2019 الموافق 3 صفر 1440

كنت ومازالت منذ سني شبابي الأولى من هواة السينما. وبالرغم من التطور التكنولوجي الهائل في المجال التلفزيوني وبث الأفلام بوسائل متعددة مما جعل السينما متاحة في كل مكان، وتحملها حتى في هاتفك النقال. مع ذلك فإنني لا أستمتع بمشاهدة أي فيلم، إلا إذا كانت هذه المشاهدة في قاعة سينما، إنه تقليد قديم راسخ. ولذلك أحرص على مشاهدة عدد من الأفلام، إذا كانت تلك الأفلام تاريخية أو روائية ذات قيمة من تلك النوعية التي درج على متابعتها أبناء جيلي، بعيدا عن أفلام العنف والضوضاء التي تصيب الرأس بالدوار. 

في الأسبوع الماضي، جلست في المقاعد الخلفية في قاعة السينما الصغيرة المظلمة، وكان إلى جواري وأمامي وخلفي أصوات، بإيقاعات المضغ المستمر، وكأنها حفلة طعام موقعة. فأضعت التركيز على الفيلم، وأصبحت من متابعي اللحن الجديد الذي يحاصرني من كل صوب (خش خش خش)!!

ومن المؤسف، بل من المزعج، أن تتحول بعض قاعات السينما عندنا، إلى ما يشبه المطاعم العامة، تحاصرك فيها الروائح وسط الظلام، وخشخشة القرمشة (خش - خش - خش) طوال الوقت صادرة من رجال ونساء وأطفال، فتصاب بالدوار. 

وتعود بي هذه الصورة الصوتية المزعجة، إلى شغفنا القديم بالفن السينمائي، وكيف كنا نقيم له نوادي السينما التي تحتضن، بالإضافة الى المشاهدة الهادئة، تلك الحوارات الفكرية والفنية والأدبية التي تعقب الأفلام، فنتحدث عن القصة والإخراج والتمثيل والموسيقي والتيارات الفكرية والسيمائية، من الإيطالية الى الامريكية والفرنسية واللاتينية وحتى الهندية والروسية وغيرها.

لقد كان معظم أبناء جيلي من هواة السينما والموسيقى او المسرح والقراءة، عندما يجلسون إلى حضرة هذه الفنون تجدهم صامتين منهمكين في المتابعة باهتمام وبهدوء يقترب من القداسة، وكانت المأكولات والمشروبات ممنوعة منعا باتا ومطلقا، احتراما وتقديرا للفن وأهله وللمستمتعين به، من الذين يبحثون عن الفكرة السديدة والرؤية العميقة، والذين تستدعيهم المشاهدة الجميلة والاستماع الرهيف إلى إجهاد العقل والفكر ومخاطبة الروح ومغالبة النفس، وكأنكم يقرأون كتاباً يساوي في حساب بعض الأجيال الجديدة اقتناء السيارة الفارهة.

لا شك أن الأحوال اليوم قد تبدلت، واختلط الحابل بالنابل في معظم الأمور، وأن التجارة أفسدت كل شيء تقريباً، وحولت كل تجمع للاستمتاع بأي فن من الفنون إلى ما يشبه حفل الشواء، أو الفوضى العارمة والقهقهات والصراخ والسخافة المؤذية للذوق الرفيع.

نعم، لقد تبدلت الأحوال وتكالبت عوامل الزمان ضد من بقي من جيلنا (التقليدي)، إذ تعلم الأبناء من قوى الاستهلاك الجارفة، احتقار حرمة الفنون وجمالياتها وطقوس الاستمتاع بها، وتوقير مشاعر الآخرين على إطلاقها! وأفرز تعقيد الحياة وشيخوخة الزمان هذه الثقافة الكبسولية الاستهلاكية الممزوجة بأنواع الأطعمة الجاهزة والروائح الخانقة. 

نعم لقد تبدلت الرؤى، واختلطت المفاهيم، وصار للحسن أكثر من معنى وللقبح أكثر من معنى، وللحق والواجب أكثر من معنى، وكذلك اختلفت معاني الرذيلة والفضيلة والحق والباطل. والفن الراقي عندي بات يدفع بعض الأجيال الجديدة إلى التضجر والتثاؤب والضحك والقهقهة. وهذا يبدو للأسف وكأنه القانون الجديد الذي بات يحكم حياتنا... ويسحقنا بأقدامه العجلى من غير أن يلتفت إلينا أحد. ولذلك قد يحكم علينا بالعزلة لأننا أصبحنا مثل الديناصورات غير القادرة على متابعة خرائط الأزمنة الجديدة، مما يقودها للانقراض على الأرجح.

لقد كان معظم أبناء جيلي من هواة السينما والموسيقى او المسرح يعشقون القراءة أيضا، ولا يقرؤون إلا قراءات جادة وفي معارف مختلفة ومن مصادرها الأصلية، مما يحتاج منه إلى جهد وسهر وبحث وتنقيب عن الفكرة السديدة والرؤية العميقة، وبما يستدعي إجهادا للعقل والبدن ومغالبة للنفس. وكان اقتناء الكتاب يساوي في نظرهم المغنم الكبير والمكسب العظيم، يتبادلونه من واحد إلى آخر حتى يكون الكتاب قد استهلك من الرفاق والأصدقاء والاتراب. وما كان يدهش القارئين من أبناء ذاك الجيل ان يكتب كاتب أو يحدث متكلم -غير مفاخر-أنه في سن شبابه الأولى - قد حفظ إلى جانب القران الكريم-مقامات بديع الزمان الهمذاني، ومقامات الحريري ولزوميات المعري ومقابسات التوحيدي والإمتاع والمؤانسة ودواوين الشعر القديم والحديث، ومجلدات إتحاف أهل الزمان والمنقذ من الضلال وتهافت الفلاسفة وتهافت التهافت، فضلا عن كتب المنطق التاريخ والجغرافيا وتاريخ البلدان والفلك وغيرها من علوم العصر ومعارفه، والمترجمات من القصص والروايات والاشعار وغيرها.

أما اليوم، وفي ظل ثقافة (الخشخشة) أدرك الآباء أن السقوف تداعت على رءوسهم، وأن الرياح باتت تهب في كل المواسم ضد أشرعتهم، فتناس معظمهم القيم التربوية التي عاشوا عليها دهراً، وصارواً كتباً مفتوحة أمام الأبناء منذ طفولتهم، سريعة التأثر لا يسترون عنهم بلاء. وبات بعظهم يتحدث صراحة عن الحاجة الى مسايرة الرياح حيث تهب فيميل. ويقول من دون تردد أو قلق أو حرج: ان للمسيرات خرائط سير تختلف اختلافا كلياً باختلاف الأزمان. والأمكنة، (والذكي) من أجيال شباب هذا الزمان هو من يقبل على الثقافة الكبسولة ولا بأس من القبول بثقافة الخشخشة الجديدة، وإن لم تكن القراءة الجادة من عاداته، والأفلام الرائعة من محبذاته، يلوذ بالصمت أو يمشي خلف القافلة لا قدامها، وقد قيل إن الديناصور انقرض لأنه عجز- لبلادته -عن معرفة رموز الخرائط المتجددة ولم يستوعب منطق التطور. 

 

همس

أبحث فيك عنك

عن حزنك وحزني

في وجوهنا الكالحة

وعيوننا.

في الخيباتٍ والسفر،

أبحث عنك وعني 

عن همسك وهمي.

في غيابك يتيه البنفسج

والعوسج وأشواقي،

لك الألوانُ والورد.

ورائحة البنفسج

والطريق بين قلبٍي وقلبك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها