النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11197 الخميس 5 ديسمبر 2019 الموافق 8 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:46AM
  • الظهر
    11:28AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

التفاهة كنز لا يفنى..!

رابط مختصر
العدد 11132 الثلاثاء 1 أكتوبر 2019 الموافق 2 صفر 1440

تحيط بنا، تحاصرنا، توغر جراحنا، حالة من التفاهة والركاكة والعبث، حالة يقف وراءها صنّاع، ومنتجون، ومستثمرون، ومخططون، ومصممون، وداعمون، وأبواق، ورعاة، ومستفيدون، ومحتفون بها، منهم من يرفع شعارات جاذبة وبراقة فيما هم يمارسون عكسها تماماً، ومنهم من له حسابات توقظ الشكوك المفتوحة على كل الاحتمالات، ومنهم من يتعايش مع شكل او أشكال من التفاهة ويهادنها مضطراً، لا حول له ولا قوة بعد أن أصبحنا في عصر أطلق عليه البعض عصر ثقافة التفاهة والتفنن بها، وباتت صناعة التفاهة بالنسبة لكثيرين أفراداً ومؤسسات وشركات «كنزًا لا يفنى»..!

وكارثة حين بات بعض التافهين مثلاً أعلى عند البعض، وكارثة أكبر حين نجد تافهين يفتون في كل شيء، في السياسة، في الدين، في الاقتصاد، في التكنولوجيا، في أمور المجتمع والناس، وكارثة أن يتوارى رأي من يفترض أن يسمع لهم، وأن يكونوا في الصدارة، وكارثة أكبر وأكبر حين يتزاد أعداد من يمارسون التفاهة ويعمقون حضورها، ويقودون خطاها، ويتكسبون منها، وتتعاظم مصالحهم بوجودها، ويحسب لهؤلاء أنهم جعلوا مهمتهم منظمة ومعلنة ومعممة ومستشرية وغير محتكرة، والمأساة، بل قمة المأساة حين نجد بعض ما يقوم به هؤلاء يحتفى به في احتفالات ومهرجانات رسمية فاخرة توزع فيها الألقاب والجوائز والمكافآت..!

التفاهة في معاجم اللغة تعني الشيء الذي لا قيمة ولا أهمية له، ومن ضمن مرادفات التفاهة، الخبث، والخساسة، والرداءة، والتسطيح، والشيء المنعدم القيمة والأهمية، والتعريفات، والأمثلة لا تنضب وهي تطال كل شيء، في السياسة والدين والفكر والفن والغناء والأدب والإعلام والتعليم والاقتصاد ومختلف الميادين، والتافهون هنا باحثون عن حضور وشهرة ومال ومنصب بأي شكل وبأي طريقة، المهم أن يحصل هؤلاء على المراد، يفتون في كل شيء في برامج تلفزيونية وتصريحات صحفية وندوات عامة، ومجالس شعبية، ومواقع إليكترونية، منهم تحت مظلة ناشط، او محلل، او خبير، او كاتب، او يقدم نفسه او يقدم لنا تحت عنوان رجل دين، او مفكر، او سياسي، وهؤلاء يجيدون ممارسة فنون الدسِّ والتشويه والفبركة والتحرش! بعقول الناس، منهم من أصبح خامة تفاهة مطلوبة في كثير من المناسبات، لذلك لم يكن مستغرباً أن تظهر دعوات بالتوقف عن جعل الأغبياء والتافهين يصعدون على سلم الشهرة..!!

في كتابه Mediocratie، أي «التفاهة»، يؤكد الفيلسوف الكندي ألان دونو «إننا اليوم نعيش أوج عصر التفاهة، وإن صور التفاهة أصبحت تحيط بنا من كل صوب وفي كل شأن ومجال، أصبحت أكثر من أن تحصى، والتافهون كثر من حولنا، يطلون من كل مكان، ويدخلون البيوت عنوة، وما باليد حيلة لطردهم..!»، ويضيف «إن التافهين قد حسموا المعركة، جعلوا التفاهة نظاماً يفرض عليك أن تنخرط في اللعبة التي لا شأن فيها للاعتبارات الانسانية، ولا لقيم ومُثل ومبادئ ومفاهيم عليا، وصارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة لأفراد وشركات والكل يتنافس على الإبداع والابتكار في التفاهات، وأصبح التافهون اليوم يسيطرون على مجريات الكثير من الأمور في العالم»..!

الرجل يخلص الى نتيجة مهمة وهي أن صناعة التفاهة تسير وفق منهج مدروس قوامه نزع السياسة عن الشأن العام، وعن التزام الانسان بما يفترض أن يلتزم به من قيم ومبادئ وقناعات، مطلوب منه أن يرميها في القمامة وإلا فهو إنسان في أبسط توصيف متخلف لا يتكيف مع العصر، عصر وسائل الإعلام الحديثة شبكات التواصل الاجتماعي التي وفرت فرصًا، وأي فرص! لكثير من التافهين والمغمورين والمهرجين للظهور والانتشار، وهؤلاء يجيدون بذكاء ومهارة تسلق سلم التفاهة، والقيام بأعمال «عبثية» تافهة عديمة الجدوى والفائدة، وترويج أشياء لا تؤدي إلا الى المزيد من التفاهات والعبث والسخف..! 

اذا كانت شبكات التواصل الاجتماعي تشكل اليوم الوعاء الأهم وربما الأكبر لكثير من السخافات والعبث والتفاهات، فإن هناك الكثير من مجريات أمور واقعنا تظهر لنا أننا عملياً أمام أشكال من التفاهة والعبث، وفي هذا السياق يمكن القول إن تجاهل الحقائق أيضاً عبث وتفاهة، والتغاضي عن أخطاء واضحة كذلك عبث وتفاهة، تجنب المسؤولية وإلقاء كرات الثلج في ملاعب الآخرين، والمراوحة التي تنقلنا من العجائبية الى الاعتيادية، وتفاهة وعبث إعطاء الفاشلين فرصة تلو فرصة وتضييق الخناق على المبدعين وأصحاب الكفاءة، وننسى او نتجاهل إن الفاشلين لا يصنعون المستقبل ولا يرفعون الرأس بين الأمم، كل ذلك بالتأكيد عبث وتفاهة استخفاف..!!

عبث وتفاهة واستخفاف حين نجد نفراً ليس بالقليل وفي مواقع شتى من مواقع العمل والمسؤولية يتسترون خلف شعارات براقة مثقلة بالعجز والولوج الى مضامينها، وكأننا نعيش حالة تضخم في الأقوال المعلنة، وآخرون يتلطون وراء الفظاظة والنكد، يؤدون مناسكهم الوظيفية مستخفين بمعاناة الناس، وبما يفترض أن يقوموا به من واجبات ومسؤوليات، ويجعلوننا كلما نتقدم خطوة نتراجع ألف خطوة..!

عبث وتفاهة حين يكون هناك ربط قسري بين حرية الرأي والتعبير وبين قلة الأدب والوقاحة، وحين نجد من يريد إيهامنا بأن الديمقراطية خطر على الشعوب العربية، بحجة أنها شعوب لم تنضج بعد، ولم تتهيأ ظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لممارسة الديمقراطية الحقة التي توفر حرية غير منقوصة للصحافة والإعلام، وتمكّن من العيش في ظل دولة آمنة ومستقرة ذات هيبة وقانون محترم يطبق على الجميع، الكبير قبل الصغير، ومساواة بين الجميع، باختصار، ديمقراطية يؤمن بها الجميع، مبدأ واعتناقاً وإيماناً وسلوكاً وممارسة.

عبث وتفاهة واستخفاف حين نجد من لا يجيد في الوطن إلا ما يكسبه منه، وما يعود عليه بالفائدة، وأيضاً حين نجد من لا يجيدون سوى صناعة الكراهية والفتن، ويتقنون في هذه الصناعة ويهتمون بمخرجاتها، وينهلون من تراثها، ويواكبون وباندفاع لا هوادة فيه ما يستجد من أساليب وطرق وتكنولوجيا لتوسيع قاعدتها ومناخاتها وإفرازاتها وتلوناتها وفظاعاتها وتوغلاتها، ويتعاظم العبث والتفاهة والاستخفاف حين لا يواجه صنّاع الكراهية والفتن كما يجب أن تكون المواجهة..!

وحين يكون المثقف والأكاديمي على أتم جاهزية واستعداد لبيع عقله وعلمه وثقافته وقلمه سعياً وراء مصلحة او منفعة او منصب، وحين تكون الجامعات مصنعاً لأصحاب شهادات لا يحتاجها المجتمع ولا سوق العمل ولا مكان لعقول نقدية فيها، وحين نجد مواقع إلكترونية وإعلامية تخصصت وتفوقت في إنتاج وتقديم برامج مغرقة في التفاهة، برامج لا تحمل أي مضمون جعلت من بعض التافهين نجوماً ومشاهير، وأصحاب ملايين..!!

عبث وتفاهة واستخفاف حين نجد نواباً لا يتوقفون عن طرح المقترحات المستفزة للناس في المقدمة منها تلك التي تتجاهل الوضع المالي والاقتصادي، والأولويات، والدور الحقيقي للنائب في التشريع والرقابة والمساءلة ومواجهة الفساد والفاسدين، وحين نجد نواباً وهم يقحمون أنفسهم فيما لا يمت بصلة بالعمل البرلماني لا من قريب ولا من بعيد، وحين نجد نواباً لا يسعك إلا أن تشعر أمامهم بأن العمل البرلماني وصل الى تيه لا يظهر عليه أفق..!

ذلك غيض من فيض لصور من التفاهة والعبث في حياتنا، والصور تتسع مساحاتها وفضاءاتها وأشكالها ومناخاتها، كثير منها تطل علينا عبر ما يعرف «السوشال ميديا»، وأصبحنا كما لو أننا في مباريات لاستدرار المزيد من العبث والتفاهات، واضح ما يراد لنا، وهو أن نصبح أرواحاً تمتص كل هذا العبث، وكل هذه التفاهات وتختزنها، وتتأقلم معها، وتتكئ عليها، يا ترى هل توقفنا وتساءلنا وبحثنا في من يقف وراء هذا العبث والتمادي في التفاهات، هنا علامات استفهام كبرى، وهنا ألغاز تحيّر العقول..؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا