النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

«التحالف التركي الإيراني القطري» ودوره في تمزيق الدول العربية (1)

رابط مختصر
العدد 11132 الثلاثاء 1 أكتوبر 2019 الموافق 2 صفر 1440

يعيش العالم حالة رعب وعدم استقرار غير مسبوقة في التاريخ، تعدَّدت أشكالها وإرهاصاتها وأسبابها ومسببيها، إلا أن أكثر المتضررين من هذه الحالة هي الشعوب العربية التي تعاني ممّا يجري حولها من أحداث سياسية متقلّبة، وممّا يُخطط لها من مؤامرات نتيجة ولائها الأعمى لقياداتها السياسية وعدم تقبّلها لفكرة التغيير خوفاً من الجديد المجهول، وتأكدت هذه الحقيقة المرّة في (مؤامرة الربيع العربي) والدماء التي سالت والمجازر التي انتشرت والصراعات والحروب التي هزَّت أرجاء الوطن العربي، ومازالت نتائجها الكارثية باقية تشهد على قصص الدمار والفوضى والإرهاب الذي دُبِّر بليل، وأعاد الأمة العربية إلى عصور الجهل والانحطاط.

فكيف وصل الحال بالأمة العربية إلى هذا التمزّق السياسي والديني والطائفي؟ وكيف قبِلَت التدخل في شؤونها الداخلية؟ وكيف خضعت للقوى العالمية الكبرى كأن لم يكن لها تاريخ ناصع من العزّة والإباء!

وكيف شُلّ تفكير الإنسان العربي وقدراته؟ وكيف تعطَّلت طموحاته وجموح آماله؟ وكيف تجاوز شواهد التاريخ التي تتحدَّث عمَّا وصلت إليه الحضارة العربية في العصر العباسي، والعصر الأموي في الشام والأندلس، من تطور وتقدّم في كل مناحي الحياة؟ وعمَّا حقَّقته من إنجازات حضارية كبرى رسَّخت تاريخاً عظيماً للأمة الإسلامية بعد انطلاقها من مكة حاملة راية الاسلام إلى بغداد ودمشق والقاهرة وغرناطة وفارس وروما وبيزنطة وكل بقاع العالم القديم؟

إنه (الانكسار العربي) الذي سبَّبه الاستعمار العثماني على بلاد العرب في (القرن السادس عشر الميلادي)، والذي يعدّ أكبر كارثة شهدها التاريخ هزَّت كيان الأمة العربية وأَفقدت العرب مكانتهم وقوتهم وعزتهم، حيث استغل (العثمانيون) الإسلام كوسيلة لفرض سيطرتهم التامّة على البلاد العربية وتعطيل الفكر والتطور والإبداع والتقدم، وفَرض العزلة السياسية والاقتصادية والثقافية على العرب ومنع اتصالهم بالعالم الخارجي لفترة تزيد على أربعة قرون، فكانت هذه القرون الطويلة كفيلة بطمس وتدمير الدور الحضاري للأمة العربية، التي أُصيبت بالجمود الذي لا زال يعصف بحياة العرب رغم اندثار الامبراطورية العثمانية عام (1924م)!

إلا أنه في وقتنا الحاضر هناك صورة جديدة للاستعمار العثماني تشكَّلت بوضوح في أهداف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتطلّعه لزعامة العالم الإسلامي، وشعوره بأن نفوذه لن يتمّ إلا بالسيطرة على العرب والإطاحة بدولهم ليكون هو خليفة المسلمين في الأرض!

لذلك عمل أردوغان -ولا يزال- على إحياء الإمبراطورية العثمانية واستعادة أمجادها وسيطرتها على البلاد العربية عبر الآتي:

أولاً: احتضان ثورات الربيع العربي، والسعي بكل قوة واستماتة لتمهيد الطريق إلى صعود تيار جماعة (الإخوان المسلمين) المؤمنين بمشروع أردوغان في استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية عبر نشر الإسلام السياسي، رغم ارتباط تركيا التاريخي والاقتصادي والسياسي الممتاز بالعديد من حكومات وأنظمة الدول التي تعرَّضت لموجات الربيع العربي وخاصة مصر وليبيا، غير أن أردوغان ضحَّى بكل ذلك من أجل دعم الإخوان المسلمين، وهو ما يفسِّر بوضوح أسباب استغلال تركيا لحادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول لتكيل التهم إلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان وتجيّش إعلامها ضد القيادات السعودية بدعم من قناة الجزيرة القطرية، إلا أن تلك الحملة الإعلامية باءت بالفشل الذريع ولم تحقق أيّ نجاحات تذكر على صعيد الإساءة للعلاقات السعودية الأمريكية، وعلاقات السعودية بدول الاتحاد الأوروبي؛ وذلك بسبب عدم ثقتهم بأردوغان لمواقفه الاستفزازية حول عدد من القضايا الاستراتيجية وأهمها: قضايا اللاجئين، وانضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي، والعلاقات مع روسيا، والترتيبات الأمنية في سوريا، ومصير القواعد الأمريكية في الأراضي التركية، وخطط الولايات المتحدة لنقلها إلى مناطق أخرى.

ثانياً: المراهنة على العلاقات العسكرية مع قطر، وذلك عندما طلبت القيادة القطرية من الحكومة التركية تعجيل تصديق البرلمان التركي على الاتفاقية العسكرية الموقَّعة بين البلدين في (19 ديسمبر2014م) للسماح بنشر وحدات من القوات المسلحة التركية على الأراضي القطرية، ما شكَّل تهديداً للأمن الوطني السعودي واستقرار دول المجلس، فأفقد هذا الاتفاق دولة قطر خط العودة لشقيقاتها بعد أن رمت بعرض الحائط علاقاتها الأخوية وإرثها الحضاري والتاريخي المرتبط بالدم والأخوة والدين من أجل تحقيق نفوذ سياسي في المنطقة العربية بامتطاء موجة الربيع العربي، والتحالف مع تركيا والإخوان المسلمين؛ لتحقيق هذا الهدف الذي يحقِّق لها ثأراً قديماً يعود إلى (سبتمبر 1992م) فيما يُعرف بـ(معركة الخفوس) على الحدود القطرية السعودية، ودعم الإمارات والبحرين والسعودية -كما تعتقد قطر- لعودة الأمير السابق الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني الذي انقلب عليه ابنه الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام (1995م)؛ لذلك أدَّت مراهنة (قطر وتركيا) على الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي إلى عزلة البلدين؛ بسبب تحالفهما الذي يشكِّل خطراً على أمن واستقرار منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط، رغم الفشل الذي مُنيت به جماعة الإخوان المسلمين في تونس ومصر والذي أماط اللثام عن حقيقة الأجندة القطرية التركية، وأفقد (محور قطر تركيا) لنفوذه في السودان وليبيا لصالح السعودية والإمارات.

ثالثاً: الاستفادة من العوامل المشتركة بين الفكر الإخواني (السنّي) والفكر الخميني (الشيعي) فيما يتعلَّق بنظرية الحكم التي تقوم أساساً على مفهوم (الدولة الإسلامية) كما جاء في فكر حسن البنا وسيد قطب، ومفهوم (الولي الفقيه) كما جاء في فكر (آية الله الخميني)؛ لذلك وجد أردوغان ضالته في التحالف مع إيران التي تلتقي معه في ذات الأهداف التوسعية بتقاسم الدول العربية، وتحقيق الحلم الأكبر بقيام الدولة الإسلامية السنية الكبرى بقيادة أردوغان، والدولة الإسلامية الشيعية الكبرى بقيادة علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وتتم بذلك السيطرة على الأمة العربية ومقدراتها بالاستعانة بالحليف الثالث، وهو الحاكم الفعلي لدولة قطر (حمد بن خليفة آل ثاني) ورئيس وزرائه السابق (حمد بن جاسم آل ثاني)، حيث استعان بقوات الحرس الثوري لحماية حكمه، وسخَّر الأموال الطائلة وفتَحَ فضاء قناة الجزيرة لاستضافة قيادات الإخوان المسلمين بغرض تدمير الأنظمة الحاكمة والمستقرة في الوطن العربي، ودعم قوى الإسلام السياسي الصاعدة في الدول التي تمرّ في مراحل انتقالية، ليتحقَّق الحلم القَطَري في نهاية المطاف بقيام نظام عربي تعدّدي على الطريقة الإخوانية التركية تكون المرجعية السُّنية فيه للشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي أطلق على نفسه اسم (الأمير الوالد) بعد تنازله عن الحكم لابنه تميم في (25 يونيو 2013م)، وذلك على طريقة (ولاية الفقيه) التي يحكمها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي الذي يعتبره أنصاره (ظل الله على الأرض)!

من هنا يتضح أن التحالف (التركي الإيراني القطري) يسعي إلى تحقيق هدف استراتيجي واحد، عبر توظيف التقارب مع جماعة الإخوان المسلمين لتهديد استقرار دول الخليج العربي خاصة الإمارات والسعودية والبحرين، وهي رسالة توضح أن هذا التحالف سيواصل دعمه للتنظيمات المتطرفة، وحشد الطاقات الإسلامية لمواجهة التحديات التي تواجهه خلال الفترة المقبلة رداً على العقوبات المفروضة على إيران.

إن المشهد السياسي الذي تشهده الأمة العربية يؤكِّد حقيقة واحدة وهي عودة الاستعمار إليها بثوبٍ جديد وبذات اللاعبين المعروفين بأطماعهم وتطلعاتهم التوسعية وأحلامهم التاريخية في بلاد العرب، مستغلين لتحقيقها الآثار الكارثية التي أحدثها الربيع العربي الذي هيّأ مناخاً مناسباً لمَدّ نفوذهم وتعزيز توغلهم وتدخلهم السافر في الشؤون الداخلية لعدد من الدول كبغداد ودمشق وبيروت وغزة وصنعاء.

ومن أجل حماية الأمة ومصالحها الآنية والمستقبلية؛ أصبح الوقوف بحزم أمام هذه الخطط والمؤامرات أمراً مصيرياً لا يقبل التردّد، وهو يتطلَّب لمّ شتات الصف العربي وترميم البيت العربي من الداخل ومعالجة الدمار الذي خلَّفه (الربيع) المزعوم، وهذا لن يكون إلا بإعادة النظر في النظام العربي بشكل جذري وشامل وتعزيز دور جامعة الدول العربية ومجلس التعاون، وحول هذا الموضوع مقال قادم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها