النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

النهام والحداي سالم العلان

أسطورة الفن البحري يعود من جديد

رابط مختصر
العدد 11131 الاثنين 30 سبتمبر 2019 الموافق غرة صفر 1440

حين يُذكر البحر ورحلة صيد اللؤلؤ التي تستمر قرابة الأربعة الأشهر، فإن نسائم تلك الأيام تعود في الأهازيج البحرية التي تشدوها الدور الشعبية بالمحرق، وما أكثرها من دور حين تحيي في النفوس ذكريات (الهولو) و(اليامال) والزمن الجميل، فتتدافع أصوات البحارة في الدور الشعبية لتطرب لها الآذان، خاصة إذا حلّقت مع تلك الأصوات حناجر ذهبية مثل سالم سعيد العلان ورفيق دربه أحمد بن جاسم بوطبنية، لذا نقف اليوم مع ابن قلالي (سالم العلان) الذي عشق البحر منذ نعومة أضافره، فتمكّن من (فن الفجري) بكل أنواعه حتى أصبح نجمًا لامعًا في سماء الخليج العربي.

لقد ولد سالم العلان بعد أخيه عاشور بأربع سنوات في قرية قلالي التي تقع شمال شرق المحرق في العام 1914، وبدأ تعليمه عند المطوع (الكتاتيب) في نفس المنطقة، فتميز بقوة حفظه لكتاب الله والأحاديث النبوية والأشعار والمواويل البحرية، ولكنه لم يستمر، حيث توفى والده وهو صغير فألزم هو وأخيه الأكبر عاشور على دخول البحر عوضًا عن والدهما لسداد دينه من (التسقام)، فبدأ تبابًا ثم سيبًا حتى أصبح نهّامًا لا يشق له غبار، وأصبح اسمه يردد في المجالس والقهاوي والملاعب، وقد ورث فن (النهمة) عن والده سعيد الذي كان (ينهم) على سفن صيد اللؤلؤ لدى النواخذة من عائلة البن هندي، المناعي والجودر وغيرهم، حيث يتنافسون في استقطابه معهم لشحذ همم البحارة، وكذلك تم استقطاب النهّام سالم العلان لما تميز به من طبقات عليا في (النهمة) وحرحشة الحنجرة التي انفرد بها عن غيره من (النهّامة)، وتدرج في هذا الفن رغم صعوبة الحياة المعيشية التي كان فيها حتى بلغ صوته الآفاق، وشكّل مع رفيق دربه أحمد بن جاسم بوطبنية ثنائيًا جميلاً أبهر العالم، فلا يذكر أحدهما الا ذكر الآخر، وكان معهم كذلك بوخالد من حالة بوماهر الذي لم يحظَ بالشهرة مثلهما، وكذلك وجود النهّام (الراعي) من البديع، وكان له صوت مميز ومؤثر.

وبعد أن ضعفت مهنة صيد اللؤلؤ في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي التزم النّهام العلان مع رفاقه في دار مرزوق بن أمان بمنطقة قلالي سنوات طويلة حتى وقع خلاف معهم، الأمر الذي فتح له المجال ليتنقل في الدور الشعبية ليشدوا فيها بأحاسيسه وذكريات أهل البحر واليامال، ومن تلك الدور دار جناع بن سيف المقلة بحالة بوماهر، ودار محمد بن حربان ودار علي بن صقر بفريج المري، ودار سالم، ودار مرزوق بن بلال، والدار العودة بالرفاع الشرقي.

 

دار قلالي الجديدة

ولحبه لهذا الفن البحري الجميل فقد أنشأ النهام سالم العلان دارًا خاصة له وهي (دار قلالي الجديدة)، وقد التحق به أبناءه وأصدقاءه مثل أحمد بوجفال وعلي بوجفال ومحمد المالكي وموسى بن ناصر وغيرهم، وقد استمرت تلك الدار سنوات حتى أغلقت بعد وفاته، وكان يتردد على دار حمد بن دعيج بدولة الكويت، وفي العام 1962 قابل سمو أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم الصباح في إحدى المناسبات الوطنية وقد أعجب به، وأثنى على أدائه، ثم قام برحلة بحرية مع سمو الأمير، حيث كان (ينهم) بفن الفجري على ظهر السفينة، وقد طلب منه سمو الأمير البقاء بالكويت؛ ولكنه رفض لحبة لوطنه البحرين، كما كان يتردد على دولة قطر وخصوصًا دار مبارك بن سعيد، حيث أن أحد أفراد عائلة السليطي يدعوه لإقامة الاحتفالات بالدوحة.

وقد قام بتعليم أبناءه النهامة، ومنهم الأصغر محمد الذي تعلّم في فترة العصر بالسبعينات، ولكنه وجد أن هذه المهنة صعبة جدًا حيث تحتاج الى موهبة خاصة مع مثابرة على التعلم لاكتسابها، فالفجري أنواع، ومنها: العدساني واليرار والمخولفي والحدادي، وهي تنقسم الى حداي ونهام، وكلا الصفتين يتميز بهما النهام العلان، وهناك الأن شباب مثل بدر السادة من الحد وبوصقر وسعد وغيرهم ممن تعلم على يد النهام العلان.

وبعد أن ترك العمل على ظهر سفن الغوص التحق بالعمل في إدارة الطرق وذلك قبل أن يصاب بالعمى، وقد كان (ينهم) أثناء العمل مما يحفز العمال على مزيد من العمل، وقد كانت زوجته تأتي له بوجبة الغداء يوميًا في موقع العمل بالقرب من القصر الذي بمنطقة عراد، وفي آخر حياته أصبح مؤذنًا بمسجد قلالي الشمالي في فريج المنانعة.

 

الصحف الفرنسية تشيد بالعلان

في العام 1978 شارك النهام العلان مع جمعية البحرين للفنون الشعبية والتي يترأسها راشد المعاودة وأحمد الفردان في احتفال اليونسكو بالعاصمة الفرنسية (باريس)، وذلك لتسجيل الأسطوانة 100 لليونسكو، وقد نالت الأسطوانة إعجاب المهتمين والمشاركين، وقد أبهر النهام العلان جميع الحضور بأدائه المتميز وصوته الجهوري وطبقاته الموسيقية العالية، وقد أفردت الصحف الفرنسية على صدر صفحاتها الفن البحري الجميل وأداء العلان، حيث استطاع النهام العلان أن يستحوذ على أسماع الحضور رغم أنه كفيف لا يرى منذ أن كان في الأربعين من عمره، وقد جلس معه المختصون بطبقات الصوت لدراسة تلك الظاهرة الفريدة، وكيف أنه استطاع تأدية الفن البحري مع أنه من الطبقات العليا الصعبة، وتم وضع صوره في شوارع (باريس) تقديرًا له وعرفانًا بفنه، وقد شارك النهام العلان في الكثير من المهرجانات الدولية مثل مهرجان قرطاج الدولي بتونس والكويت وفرنسا وألمانيا وأستراليا.

 

العلان أمام الملكة إليزابيث

وقد زارت الملكة إليزابيث ملك بريطانيا البحرين بيختها الملكي، وقد حضرت حفلاً أقامه الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وبحضور رئيس الوزراء وولي العهد، وذلك في سينما الأندلس بمدينة عيسى، وقد قدم النهام العلان مع فرقته حفلة فنية راقية استمتعت بها الملكة في زيارتها للبحرين.

 

متحف باسم العلان

توفى النهام العلان في 25 سبتمبر 1981 عن عمر ناهز 67 عامًا بعد أن لزم الفراش بسبب المرض، وقد ترك خلفه أدوات الفن مثل الطبل الذي ورثه من أبيه، وجميع تلك الأدوات تم تسليمها لمتحف البحرين الوطني كما ذكر لي ابنه الخلوق محمد بن سالم العلان، وتبقى أهمية تخليد ذكراه ببناء متحف خاص به في منطقته قلالي التي عاش وترعرع فيها، فقد كانت عشقه الأول والأخير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها