النسخة الورقية
العدد 11176 الخميس 14 نوفمبر 2019 الموافق 17 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

هزيمة فادحة لليمين الشعبوي (2)

رابط مختصر
العدد 11129 السبت 28 سبتمبر 2019 الموافق 29 محرم 1440

سطع نجمٌ شعبوي جديد في سماء إيطاليا والاتحاد الأوروبي في الشهور الماضية، وأثار لغطًا وقلقًا في الأوساط الإيطالية والأوساط الأوروبية على حدٍ سواء، كان ذلك النجم السياسي الذي لا يخلو من كرزما الزعامة هو ماتيو سالفيني الذي يثير الزوابع أينما حلَّ أو ذهب، وهو زعيم حزب الرابطة الذي شكل مع حركة الخمس نجوم الإئتلاف الحاكم منذ العام الماضي.

استفاد ماتيو سالفيني (اليساري السابق) من وجود حزبه في الحكم عندما استلم فيه منصب نائب رئيس الوزراء ووزارة الداخلية. وبصفته وزير الداخلية واجه ماتيو سالفيني أزمة اللاجئين بقسوة، ليصد موجاتهم دون رأفة، ويعيدهم إلى البحر الأبيض المتوسط، ليواجهوا خطر الموت، وتضاعفت شعبيته في هذه الفترة إثر وقوفه بحزم أمام جحافل المهاجرين. 

من طرف آخر هاجم سالفيني مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشدة، مطالباً بالخروج من هذا الاتحاد أو الاستيلاء عليه من قبل اليمين لتسيير دفته، وتواصل سالفيني (لأجل هذا الغرض) مع قيادات اليمين البارزة في الغرب، مثل فكتور أوربان الرئيس الهنغاري ومارين لوبان زعيمة حزب التجمع الوطني في فرنسا، وغيرهم من أقطاب اليمين. 

أعد سالفيني العدة بالاتفاق مع الزعماء الشعبويين في أوروبا لاكتساح انتخابات الاتحاد الأوروبي التي انتهت في بداية هذا الصيف، فنجح نجاحاً باهراً. كان هوالأكثر نشاطاً في الأوساط الشعبوية طوال الشهور الماضية، وفي نشوة الانتصار بوصول حزبه إلى الحكم في إيطاليا، بعد أن كان في الظل، دخل في خلاف مع حركة النجوم الخمس زميلته في الإئتلاف الحاكم، إذ لاحظ بوادر تقارب بين حركة النجوم الخمس والحزب الديمقراطي عدوه اللدود. 

تابع سالفيني هذا التقارب بقلق شديد، فحركة النجوم الخمس الأكثر شعبية، يمكنها أن تشكل إئتلافاً مع الحزب الديمقراطي، في نفس الوقت كانت استطلاعات الرأي تكشف عن جماهيرية واسعة ينالها سالفيني، وبشكل متصاعد، بناءً على موقفه من الهجرة. وصلت شعبيته في هذه الاستطلاعات إلى أربعين في المائة من الأصوات، وهذه النسبة ستمكنه من تكوين حكومة دون الحاجة للائتلاف مع حزب آخر. 

أراد سالفيني استباق الحزبين المتقاربين (الخمس نجوم والديمقراطي) بضربة مفاجأة، فيقفز هو وحزبه إلى رئاسة الحكومة، بناءً عليه طالب بطرح الثقة في الحكومة، والدعوة لانتخابات جديدة، وكان له ما أراد، وفي الانتخابات الجديدة فاز حزب الخمس نجوم والحزب الديمقراطي، ولم يحصل سالفيني وحزبه على النسبة التي بينتها الاستطلاعات، كان ذلك أشبه بالمفاجأة التي أدارت رأس اليمين الشعبوي في إيطاليا وفي الغرب في نفس الوقت، كما صعقت هذه النسبة النجم الشعبوي المتألق، الذي أسقط في يده. 

وجاء تشكيل الحكومة الجديدة في الانتخابات الأخيرة بإيطاليا، بإئتلاف جديد، مكوِّن من حركة الخمس نجوم والحزب الديمقراطي. ماذا حصل بالضبط في هذا الفشل لسالفيني؟ وهل هي صدفة أوسوء حساب، أم هي السياسة التي تتأسس قراراتها في الظلام؟ كيف تحقق هذا الوضع الصادم لحزب الرابطة وزعيمه؟ كان القدر يهيئ لسالفيني الذي شطح بعيداً بخياله مفاجأة غير سارة، لكنها أصبحت حقيقية لا ترد. يقول المراقبون، هناك عدة أسباب تعاضدت كلها ضد سالفيني: كان هناك لغط في الإعلام الإيطالي قبل فترة عن اتصالات خفية بين حزب الرابطة وأشخاص مقربين من الكرملين، هدفها تمويل الكرملين لحزب الرابطة في الحملة الانتخابية الإيطالية، بالتأكيد هذا لا يسر الناخبين. من جانب آخر صرح سالفيني أنه سيسعى ليلغي عقوبات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية على روسيا، كان ذلك يؤكد أن الإشاعة الأولى ليست إشاعة، تلازم ذلك مع صلاته المفتوحة مع الصين. 

كان سالفيني مع هذه الشبهات يشكل خطرًا على بلاده، وعلى الاتحاد الأوروبي. وهناك سبب آخر، فإثر صعوده إلى السلطة وتصريحاته التي لا تخلو من العنصرية، تحسس الناس أجواء الحقبة الفاشية في إيطاليا، في العشرينات من القرن الماضي، حين صعد بنيتو موسوليني إلى الحكم، والنتائج الكارثية التي ترتبت على ذلك. السياسة لعبة كواليس، وفي الكواليس كان الاتحاد الأوروبي والزعماء في الدول الغربية يريدون عزل سالفيني، الذي دأب على مهاجمة الإتحاد والتنديد بمؤسساته. كما أن التقارب بين الزعيم سالفيني وحزبه مع روسيا والصين، لم يكن يسر دول الاتحاد الأوروبي، وهناك ما هو أكثر، حسب ما ذهب المراقبون: في اجتماع دار بين سالفيني ووزير الخارجية الأمريكي بومبيو في شهر يونيو، لم يخفِ سالفيني ميوله المشبوهة التي ذكرتها، مما جعل أمريكا تتوجس بدورها من سالفيني وحزبه، وكما يقال فلأمريكا سطوة قديمة على روما. 

كل ذلك كان كافياً لدحر سالفيني وإسقاطه من شاهق، بعد أن بدا قبل شهور قليلة وكأنه البطل الجديد لبلاده، وللقارة الأوروبية، لكن هل انتهت حكاية سالفيني والصعود الشعبوي بشكل عام؟ بالطبع هناك جولات قادمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها