النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

تجديد الخطاب الديني

رابط مختصر
العدد 11129 السبت 28 سبتمبر 2019 الموافق 29 محرم 1440

تجديد الخطاب الديني هو مسؤولية المجتمع كله بكل فئاته والجهات المؤسسة له والحافظة عليه، وهذا يدخل في الجهات الرسمية والجهات الشعبية، بمعنى أن الحكومة مسؤولة وإلى جانب الحكومة المثقفون باعتبارهم طليعة المجتمع.

يقول الناقد والمفكر د. جابر عصفور «هناك أزمة في الخطاب الديني، ولابد من تجديد الخطاب الثقافي لأنه أشمل بالتصدي لأربعة تحديات، التحدي الأول يتمثل في الاستبداد الذي يجعل الحرية أبعد الأشياء المتاحة في الدول العربية، والتحدي الثاني هو الفقر، فأكثر من 40 في المئة من السكان تحت مستوى خط الفقر، والتحدي الثالث هو التعليم الذي يفتقر عندنا إلى الجودة ولا يتميز بأي من الصفات الايجابية، في حين أن موازنة التعليم في اسرائيل مثلاً تفوق موازنة الدفاع، التحدي الأخير يتمثل في تخلف الخطاب الديني، سواء على صعيد الفقه، أو على صعيد مناهج التعليم».

إذن لابد من مضاعفة موازنة الثقافة لتتمكن من مواجهة الخطاب الديني المتخلف، الخطاب الذي يراه المفكر السيد ياسين أنه يقوم على النقل لا العقل، وهذه هي المشكلة الأساسية.

كيف يمكن أن يقوم الخطاب الديني على إعمال العقل؟

هذا ما يقف عنده ياسين لأن في منظوره لا يمكن تجديد الخطاب إلا بعبور الجسر من العقل الاتباعي إلى العقل النقدي، ويعني بالعقل النقدي في هذا المجال بالذات تنقية كتب التراث من الخزعبلات والخرافات والمرويات غير المعقولة التي تسيء الى المقاصد الحقيقة للاسلام، فثمة فرق بين التفسير والتأويل. التفسير هو أن تبين معاني الألفاظ الواردة، أما التأويل فهو إنك تهدف إلى الوصول إلى المعنى الكلي للنص والآية، ومن يقفون على حد التفسير لا يفهمون المقاصد الحقيقية للآيات القرآنية، ومن يقفون عند نقل الأحاديث مهما كانت مخالفة للعقل يقترفون جريمة كبرى في حق الاسلام المعاصر.

في حوار أجراه معه الإعلامي أحمد جاد تحدث ياسين عن كيف يمكن تجديد الفكر الديني في ظل تعدد الخطاب السلفي، وهنا يؤكد على حقيقتين الأولى، تنقية التراث الاسلامي من الشوائب والأحاديث الموضوعة، والكف عن نقل آراء الآخرين التي قيلت وأيدت في ظروف وبيئة مختلفة تماماً عن الحالية، واستخدام التأويل بشكل صحيح لتفسيرها تفسيرًا يتفق وروح العقل بتطوراته الراهنة في الحياة، والثانية نحتاج إلى الاعتماد على العقل في التفسير والتأويل لا على النقل حتى لا نرى أحاديث تنافي العقل وأخرى تنافي الذوق، ومجافية لمنطق التفكير، مثل حديث إرضاع الكبير!.

في حين أن الدور المنوط بالمؤسسات الدينية في العالم العربي والاسلامي هو إزالة الفهم الخاطئ للاسلام وتجديد الخطاب الديني، وهنا على – حد تعبيره – تلك قضية حرجة وحساسة؛ لأن المؤسسات الدينية والجماعات الدينية بكل تلاوينها عاجزة عن تجديد الخطاب الديني، لأن فلسفتها في التعليم تقوم على النقل لا العقل، بالتالي فإنها تعجز عن التجديد ويتطلب الأخير ثقافة وقراءات واسعة في علوم اجتماعية متعددة وليس في الشرعية فقط، وليس في أصول الفقه والتفسير فقط، إنما لابد للمجدد الديني من أن يكون عليماً بتراث العلوم الإنسانية والاجتماعية، ومن بينها الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس والانثربولوجي؛ لأن هذه العلوم الإنسانية والاجتماعية تعطي للباحث أفقاً أوسع لفهم الطبيعة الإنسانية ولفهم التاريخ الإنساني والمجتمع الإنساني.

إذاً أزمة الفكر الديني هي في الأساس أزمة فكر وثقافة الدليل أنه عندما أتى محمد علي باشا، كان عبقرياً، أرسل بعثات إلى فرنسا لتطوير طريقة التفكير، وستجد أن كل دعاوى او بدايات دعاوى التجديد الديني كانت ممن شاركوا في هذه البعثات مثل الإمام رفاعة رافع الطهطاوي الذي تحول إلى عبقرية فكرية، واستطاع أن يعكس إدراكات المثقف المصري للحضارة الغربية بكل اختلافاتها، وعرف الفروق بين الحضارتين الاسلامية والغربية، وأراد أن يقرِّب بين الحضارتين ووجد في الاسلام قيم الحضارة الغربية.

ما يمكن أن نستنتجه مما سبق، هو أن تجديد الخطاب الديني ضرورة، وهو يبدأ من تطوير المناهج التعليمية لنبذ التطرف والعنف والارهاب والكراهية وتصحيح الفهم الخاطئ للدين، لأن من أهداف تجديد الخطاب الديني هو إبراز الوجه المشرق للدين، مثال على ذلك إن ثمة صراع حضارات و«اسلاموفوبيا» في الغرب وصوراً مشوهة عن الاسلام يتبناها أبناء الاسلام مثل حركات التكفير الجهادية و«داعش» وغيرها، للأسف الشديد تقدم صورة بدائية وهمجية وبربرية عن الاسلام مستندة إلى الأحكام والآيات والأحاديث، أحد أهداف تجديد الخطاب الديني إبراز مقاصد الاسلام الحقيقية وتبيانها للناس.

وأبرز هذه المقاصد – كما يراها – تتمثل في الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية والتعارف بين الشعوب والتعامل الحضاري بين الشعوب بغض النظر عن اختلاف الأديان.

ومن بين الملاحظات التي نستخلصها ما أشار إليها بعض الباحثين في مجال الفكر السياسي – ومن بينهم الباحث التونسي سمير حمدي – إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في مراجعة بنية الخطاب الديني في ذاته – رغم أهمية الفهم التنويري له بوصفه قضية عاجلة وملحة – وإنما ايضاً في مراجعة السياسات الخاطئة التي تسلكها القوى الكبرى والأنظمة الرديفة لها بالمنطقة، فالاستبداد السياسي في كثير من أحواله يرتبط بأشكال من الانغلاق الديني أو الاعتماد على المنطق الطائفي، وتكمن أوجه الخطورة فيه إنه لا يتعدى فقط على الحريات السياسية وإنما ايضاً على الحريات الشخصية، وهو في صراعه مع القوى السياسية المختلفة يحاول مصادرة حق المجتمع في التعبير عن التنوع والتعدد الكامن فيه، وهو أمر نلاحظه في كثير من الأنظمة التي تحاول أن تجعل من نفسها صورة الوطن والناطق الوحيد باسمه!.

في المقابل، إن قضية تجديد الخطاب الديني تواجه تحدياً وهو الخلط بين الديني والسياسي، وهو ما يعني أن للأنظمة المستبدة وجماعات الاسلام السياسي مصالح سياسية وعقائدية حاولت دون تجديد الفكر الديني وهذه صعوبة لا يمكن تجاوزها إلا بفصل الدين عن السياسة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها