النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11204 الخميس 12 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    6:15AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

الأمن الخليجي والتحدّي الإيراني

رابط مختصر
العدد 11125 الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 الموافق 25 محرم 1440

سلسلة من الهجمات الإرهابية الإيرانية استهدفت ناقلات النفط العملاقة والسفن التجارية في مياه الخليج العربي وبحر العرب منذ (مايو 2019م)، تنوَّعت أساليبها بين الاختطاف والعمليات التخريبية والتفجيرات، وإسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيَّرة، ثم تحدّي العالم بتفريغ شحنة ناقلتها النفطية التي أفرجت عنها السلطات البحرية البريطانية في جبل طارق بميناء طرطوس السوري، فكانت تلك بدايات سلسلة عمليات القرصنة الإرهابية الاستفزازية التي نفذتها إيران في مياه الخليج بهدف تهديد حركة النقل التجاري البحري العالمي، وتعمّد إحداث الفوضى وعدم الاستقرار في أهم ممر للطاقة في العالم.

وقد قابل العالم ذلك الإرهاب بمحاولات تهدئة الموقف وضبط النفس، ووعود بتخفيف العقوبات الاقتصادية على إيران، وزيارات رسمية لكبار السّاسة إلى طهران لإجراء مفاوضات مع النظام الإيراني؛ من أجل عدم التصعيد الذي قد يجرّ المنطقة والعالم إلى حرب عالمية وخيمة النتائج.

إن تلك التحركات الدبلوماسية لم تُجدِ نفعًا، فتمادى الإرهاب الإيراني إلى مستويات عظيمة جدًا يوم السبت الماضي (14 سبتمبر 2019م)، بعد أن انطلقت عشر طائرات (درون) مسلَّحة من الأراضي الإيرانية -وفق ما أكَّدته قناة (CNN) الأمريكية- للهجوم على مصفاتي نفط تابعتين لشركة أرامكو السعودية بمحافظة بقيق وهجرة خريص، كان له تأثيره الكبير على إمدادات النفط العالمية وأمن الطاقة في العالم بأسره.

في هذا الهجوم إثبات جديد على مدى استخفاف إيران وحلفها السياسي والذي جاء على لسان كبار مسؤوليها، الذين أكَّدوا أن استخدام (سياسة أقصى درجات الضغط) لا تعني لإيران أي شيء، وأنها ماضية في هجماتها الإرهابية وخفض مستوى التزاماتها بالبنود الواردة في الاتفاق النووي الذي وقعته مع مجموعة (5+1) في (يوليو 2015م)، وأن هناك إجماعًا لدى كل المسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية على عدم إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية على أيّ مستوى كان.

إن سياسة إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول، ورعايتها للعمليات الإرهابية باستخدام أذرعها الطويلة في المنطقة، وفرضها لسياسة الأمر الواقع في التعامل السياسي مع الدول الكبرى، وتهديدها لأمن واستقرار شريان الملاحة البحرية الدولية والتجارة العالمية، يطرح سؤالاً حول كيفية قدرة إيران على مقاومة سياسة المقاطعة الاقتصادية الشاملة وأقصى درجات الضغط وتصفير نفطها وصمودها أمام جميع محاولات تغيير النظام من الداخل بثورة شعبية على غرار الثورة التي أنهت حكم الشاهنشاه محمد رضا بهلوي في (فبراير 1979م)؟

يمكن إيجاز الإجابة على هذا التساؤل في النقاط الآتية:

أولاً: استخدام إيران لسياسة المراوغة والنفَس الطويل في التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، وتقديمها للحد الأدنى من التنازلات حول الاتفاق النووي، والعمل على كسب أقصى درجات النجاح لتحقيق مصالحها الوطنية، والتأكيد للعالم على مبدأ مهم وهو أن (البديل عن المفاوضات ستكون له عواقب باهظة التكاليف)، فإيران جنت ثمار تلك السياسة بعد الانسحاب الأمريكي من العراق في (ديسمبر 2011م) باستخدام أذرعها المنتشرة في المنطقة كالحوثيين في اليمن والحشد الشعبي وعصائب الحق في العراق وحزب الله في لبنان والبحرين والكويت.

ثانيًا: بالرغم من أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تقوم على عدد من الثوابت وهي التحكّم والسيطرة على النفط، والحفاظ على أمن إسرائيل، والحرص على استقرار المنطقة لحماية المصالح الأمريكية الأخرى، إلا أن ما تعرَّضت له الولايات المتحدة الأمريكية من عمليات إرهابية هائلة هزت كيانها في (سبتمبر 2001م) خلال ولاية الرئيس باراك أوباما، ساهم في انتقال الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط تدريجيًا من (التحالف الأمريكي الخليجي) إلى (التحالف الأمريكي الإيراني)، وقامت تلك الاستراتيجية على أساس (إحداث التغيير بأيّ ثمن وتحت أيّ ظروف)، فقامت بطريق مباشر وغير مباشر بدعم الفوضى في الشارع العربي، بالتحريض على رفع شعارات الديموقراطية وحماية حقوق الإنسان، بهدف تهيئة الظروف لدور إقليمي جديد لإيران من أجل بسط سيطرتها على المنطقة مقابل تخليها عن برنامجها النووي والتوقيع على الاتفاق المثير للجدل في (يوليو 2015م)، وانسجمت هذه الاستراتيجية تمامًا مع الموقف الأمريكي في العراق، واعتُبرت اتفاقًا غير مكتوب مع النظام الإيراني لتقديم العراق على طبق من ذهب لإيران، واستغلال الطائفية الدينية كوسيلة لشق المواطنين العرب في العراق والخليج العربي، وتقديم التسهيلات للمعارضة الشيعية، واعطائها حق اللجوء السياسي السريع في الدول الأوروبية، واستخدام عواصم بعضها مثل لندن وبرلين كمنصات مثالية للمظاهرات الاحتجاجية، وتقديم مساحة واسعة لها في الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي لتبرير كل تلك الفوضى.

ثالثًا: عملت إيران منذ (فبراير 1979م) على إعادة أمجاد الامبراطورية الفارسية وتحقيق أهداف الثورة الخمينية وتثبيت نظام (ولاية الفقيه) كنظام إقليمي معترف به وله تأثير ونفوذ في رسم السياسة الإقليمية والدولية وفقًا للمصالح الإيرانية، فلا زالت أحلام إحياء الدولة الفارسية التي انهارت في عهد الخليفة عُمر بن الخطاب في معركة القادسية بقيادة سعد بن أبي وقَّاص عام (636م) الذي حطَّم إيوان كسرى تدغدغ مخيلة حكّام إيران، وقد ساهم في تغلغل تلك الأحلام سقوط نظام صدام حسين في (مارس 2003م)، حيث تمكَّنت إيران من السيطرة على الساحة العراقية، وأقامت أول دولة عربية شيعية، وعاثت في المنطقة فسادًا انطلاقًا من (العراق) لتحقيق أهدافها وأطماعها التوسعية بالتعاون والتنسيق مع عدد من الأحزاب العراقية التي عملت على تعزيز الشعور بالمظلومية وتعميق المذهبية والطائفية الدينية، ففرضت إيران سياسة الأمر الواقع بالقوة لانتزاع دور إقليمي تراه حقًا لها بعد تخبط السياسة الأمريكية وتراجع دورها وتأثيرها خلال فترة حكم الرئيس أوباما، وساعدها في ذلك ضعف العرب وانقسامهم ووقوفهم متفرجين أمام التحدي والأطماع التوسعية الإيرانية، وقيام دولة قطر بكل أسف بتمويل المؤامرات وعمليات التدريب على الخروج على الحكومات الشرعية والإعداد للمظاهرات والاعتصامات وتجييش الشارع العربي، وتأطير هذه الثورات والمطالبات الشعبية بالإطار الحقوقي والقانوني من خلال استغلال مجلس الجامعة العربية الذي ترأسته لفترة طويلة على مستوى وزراء الخارجية لتمرير عدد من القرارات ضد بعض الدول العربية التي شهدت تحركات ومظاهرات في شوارعها والتنسيق مع الإدارة الأمريكية السابقة في هذا الأمر.

والآن، وبعد أن وصلت الأوضاع في المنطقة إلى قمتها وبلغ التوتر أقصاه بين (إيران) من جهة و(الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الإقليميين) من جهة أخرى، وبعد إثبات تورط إيران في العمليات الإرهابية في منطقة الخليج وبحر العرب باستخدام أعداد كبيرة من الطائرات المسيَّرة عن بُعد، وتحريك جل عملائها في المنطقة لتنفيذ عمليات إرهابية جديدة، وبعد القرار الأمريكي بتصفير صادرات النفط الإيراني، وبعد تلويح إيران بإغلاق مضيق هرمز بنشر سفنها الحربية أو زراعة الألغام وضرب السفن التجارية بالصواريخ، وبعد تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني في (يوليو 2018م) بأن «منع إيران من تصدير نفطها يعني أن لا أحد في المنطقة سيتمكَّن من تصدير نفطه»، وتصريح قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري بأن «مضيق هرمز إما أن يكون للجميع أو لا لأحد!». لابد من وقفة خليجية قوية وفورية -بمن هو على استعداد- للدفاع عن الخليج رغم توتر العلاقات الخليجية الخليجية، كما أنه لابد من إحياء وتنفيذ (اتفاقية الدفاع المشترك) الموقعة بين دول مجلس التعاون في (ديسمبر 2000م)، والتي تعتبر ركنًا مهمًا للاستقرار والدفاع عن أراضي دول المجلس ومصالحها المشتركة وتطلعات وآمال شعوبها، خصوصًا بعد أن أصبحت العلاقات الاستراتيجية والأمنية والدفاعية مع الولايات المتحدة في مهب الريح بسبب ردود الفعل الأمريكية الضبابية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا