النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

«الكلمات تقتل مثل الرصاص»..

خطابات الكراهية والتحريض في طريق مفتوح

رابط مختصر
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440

أرسل لي أحد الأصدقاء المحترمين جزءًا من مقابلة تلفزيونية أجريت مع أداما ديانغ المستشار الخاص للأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية (وهو من جمهورية السنغال، وسبق له أن كان عضوًا في لجنة الحقوقيين الدولية، كما أصبح أمينا عاما لها)، يتحدث في هذه المقابلة الغنية بالمعاني والقيم، عن خطورة خطابات الكراهية والتحريض بجميع أنواعها ومصادرها وأشكالها (الدينية، العرقية، الطائفية، السياسية، الاجتماعية، الإعلامية والثقافية...)، والتي عادة ما تسبق القتل والإرهاب والاعتداء على البشر وحتى الإبادات الجماعية.

ولعل أهم ما ورد في هذا الجزء من المقابلة الشهيرة التي أجريت على هامش ندوة أممية بعنوان: «إشراك الأديان في منع الجرائم الوحشية»، هو قول هذا الرجل العظيم إن: «الكلمات تقتل مثل الرصاص تمامًا»، ولذلك نشهد اليوم، تزايدًا في أعداد المتطرفين، في أي مكان في العالم، وتزايد عدد جماعات النازيين الجدد أو الفاشيين الجدد، والجماعات المعادية للمهاجرين واللاجئين. فالإبادة الجماعية ارتكبت إلى حد كبير باسم الدين أو الطائفة أو العرق، وجميع هذه الجرائم سبقتها خطابات للكراهية أسست لها وحرضت عليها... فكل شيء يبدأ بخطاب الكراهية الذي يعقبه التحريض..

وإذا كانت خطابات الكراهية في العالم الغربي تتنوع مصادرها وتختلف لغاتها وتدور في الغالب حول كراهية الأجانب والمهاجرين وتحميلهم تبعات الأزمات الاقتصادية في البلدان الغربية، أو النزعات العنصرية ضد السود واللاتين والصينيين والعرب، أو عبر تلك النزعات المؤسس لها أيديولوجيًا وحتى فكريًا لمعاداة الإسلام والمسلمين واعتبارهم (أساس البلاء)، فإن هذه النزعات عندنا تتخذ عدة مسارات، من أهمها:

- المسار الأول: يتمثل في النزعات التكفيرية المتجهة نحو الأديان الأخرى بالدرجة الأولى، مصحوبة بالتحريض على القتل والنفي والإرهاب، وقد كرستها الجماعات المتطرفة مثل القاعدة وجبهة النصرة وداعش، وغيرها من الجماعات المماثلة من المنتمية لمختلف المذاهب الإسلامية.

- المسار الثاني: يتمثل في النزعات الطائفية التي تم تأسيسها وتقويتها في العقود الماضية لافتعال معارك لا أساس لها، سوى الأوهام المؤسسة للفتنة بين أبناء الشعب الواحد، أو بين أبناء الأمة.

- المسار الثالث: تجتمع فيه مجموعة متنوعة وواسعة جدت من المواقف السلبية التي تجمع بين العنصرية والاستعلائية العرقية أو القبلية أو المناطقية التي تتعالى على الآخرين.

يحدث ذلك، مع أن الغالبية العظمى من الناس العاديين -لما يكونون بمنأى عن الماكنة التحريضية- يتعايشون عمليًا في وئام، بل وينظرون إلى اختلافاتهم باحترام، أيًا كانت عقائدهم أو مذاهبهم أو انتماءاتهم. ولكن للأسف، فإن كل مجموعة من هؤلاء تضم أقلية متطرفة، فاقدة للقيم الإنسانية والأخلاقية، مشحونة بالحقد وعالية الصوت، مستعدة لفرض توجهاتها التصفوية أو التكفيرية أو الاستعلائية، عبر التعصب والعنف، وغالبًا ما تتسبب في الحروب الأهلية والتصفيات والإبادات الجماعية. ولذلك يحق لنا أن نتساءل بكل أسف: من الذي زرع الحقد في نفوس الشباب؟ من زرع الكراهية والاحتقان والرغبة في القتل والتخريب في أنفسهم؟ وأين هو تأثير الدين والقيم الروحية والتربوية على المحبة والإخاء والتسامح؟ لماذا تبخر كل ذلك؟ من انتزع الخير من قلوبهم وزرع محلها الكراهية والحقد؟ 

نظريًا يبدو التدين عاملاً معززًا للتسامح والتضامن بين بني الإنسان، ولكن واقعيًا تحوّل هذا التدين إلى أداة من الأدوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والتمييز والكراهية بين الناس. ولا أدل على ذلك من أن أغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى أو في العصر الحديث قد لبست لباسًا دينيًا او طائفيًا. ذلك أن التدين يمكن أن يجمع بين وظيفتين: دينية وسياسية وما بين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت. وأن التفكير دينيًا بشكل مغاير لما هو سائد يمسّ البنية السياسية للدولة. ذلك أن الديني والسياسي يتعالقان بشكل كبير، حتى الانصهار. 

والمشكلة تتمثل في تنامي الخطاب الديني الطائفي المشحون بالأفكار والتصورات والرؤى والبرامج السياسية للتيارات والجماعات الطائفية، والتي تصنف ضمن تيارات الإسلام السياسي التي وسمت العقدين الأخيرين بسمات التطرف وتبرير العنف، وتفسير النص الديني تفسيرًا متطرفًا، فخلقت أحزابًا دينية طائفية تدخل معترك السياسة باستخدام لغة ظاهرها الديمقراطية لتتمكن من الاندراج ضمن الحراك السياسي المدني، وجوهرها استخدام القوة والعنف تجسيمًا لفكرة التغيير بالقوة، وهذا ما يفسر وجود مثل هذه المفارقة التي يعاني منها قسم من شبابنا العربي، بالجمع بين التدين وممارسة العنف والكراهية في أبشع أشكالها والتمييز الطائفي الذي أصبح منهجًا مؤسسًا للكراهية والحقد. لقد كشفت الأزمات الخانقة التي مرت بها مجتمعاتنا العربية والإسلامية خلال السنوات الماضية، أن هنالك خزانًا ثقافيًا للكراهية بديلاً مفجعًا لروح المحبة والتسامح وكل قيم الإسلام السمحاء التي تؤكد أن المؤمنين إخوة، حيث تم تجاوز كل هذه القيم في وسط حالة من الحشد الطائفي الذي تسخر طاقات رهيبة، للتوجيه ومنع الشباب حتى من التقاط الأنفاس والتفكير في حالهم وفي خياراتهم الحرة داخل مجتمعاتهم.

إن ثقافة الكراهية لابد أن تزول من العقول والأنفس وأن يعمل الجميع على استئصالها، من خلال الدعوة إلى التشبث بالمعاني الحضارية التي عرفتها مجتمعاتنا منذ مئات السنين، بالكلمة الطيبة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والقبول بالآخر والقناعة بأهمية المشاركة في كل شيء، ورفض فكرة الاستحواذ والسيطرة بالقوة، والتي من شأنها أن تؤسس باستمرار إلى صراعات دائمة. ولا يمكن حماية الاستقرار السياسي والتقدم الاجتماعي، إلا بنبذ ثقافة الكراهية، وتفكيك جذورها التي تغذي عمليات الإقصاء والتهميش ضد الآخر.

همس

للوطن الجريح أغنية،

تطل على القلب الجريح سؤالا:

نستيقظُ أنا وأنت في المنفى الغريب، 

رحلة لا تنتهي.

ألقي التَّحية على دموعي

كل نهار، 

يوصلني الجرح إلى الجرح..

أحتضنُ صور الماضي الغريب 

رسالة، 

ونخب الوداع الأخير 

سلامًا.

فما حملت صور الحلم القديم

معي.

فسلام على الراحلين

بلا حلم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها