النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

هزيمة فادحة لليمين الشعبوي (1)

رابط مختصر
العدد 11122 السبت 21 سبتمبر 2019 الموافق 22 محرم 1440

كان أفلاطون مثل سقراط يحذر مما أسماهم بالغوغاء، ويفضل أن يحكم جمهوريته الحكماء، ويعني بذلك الفلاسفة، تجنبًا للغوغائية التي تحركها العواطف فتطغى على العقول. يذكرني التيار الشعبوي الجارف الذي ساد في الغرب بشكل مفاجئ في العقد الأخير برأي سقراط وأفلاطون، فالحركة الشعبوية المنتشرة في الغرب تستغل الحالة الغوغائية الموجودة في كل المجتمعات، وفي بعض المراحل التاريخية قد يشكل هؤلاء تيارًا جارفًا يكسب تعاطف وتأييد الجماهير، وهي طامة كبرى تقود المجتمعات إلى الدمار، فالجماهير ليست دائمًا على صواب، وهي ليست بعيدة عن ارتكاب الأخطاء، والأخطاء الفادحة، وهذه الجماهير، خصوصًا في ظل الجهل قابلة للاندفاع والانحياز إلى الوجهة الخاطئة، وهي أحيانًا ضد مصالحها.

 الجماهير نفسها استطاعت النازية خداعها بالإعلام الرسمي النازي، فذهبت مندفعة وراء أدولف هتلر لتدمر العالم وتدمر نفسها في النهاية، وحدث أمر مشابه في إيطاليا حين استطاع بينيتو موسوليني القومي الشعبوي خداع الجماهير بإحياء النعرة القومية التي ستعيد أمجاد الإمبراطورية الرومانية، في عشرينات القرن الماضي، فدمر بلاده. 

وهناك مثال قريب، فقبل سنوات قليلة، استطاع الإعلام إقناع الشعب البريطاني أن مشروع بريكست (الخروج من الاتحاد الأوروبي) سيعزز اقتصاد بريطانيا وأنه الخيار الأمثل، فصوت الشعب بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لكن هذا الشعب اكتشف بعد فترة وجيزة أنه كان مخدوعًا، وأنه أخطأ في قراره حين صوتت الأغلبية مع مشروع بريكست. 

التيار الشعبوي الجارف في الغرب ذات صلة وثيقة بهذه الغوغائية، وزعامة هذه السلالة تستغل عاطفة الجماهير وعشوائيتها وجهلها لتصل إلى أهدافها. ظهرت الشعبوية على أنقاض أزمة اقتصادية وأخرى اجتماعية، تمازجتا معًا. الأزمة الاقتصادية تمثلت في الركود والانهيار الاقتصادي الذي أصاب الغرب (وأمريكا أيضا)، في نهاية العقد الماضي ولسوء الحظ، ضربت الغرب بعد سنوات قليلة من الأزمة الاقتصادية، أزمة اللاجئين القادمين بعشرات الآلاف من الشرق إلى الغرب هاربين من الحروب والفقر في بلدانهم، لكن الهجرة هذه المرة مختلفة عن الهجرات البطيئة التي جاءت في فترة رخاء واستقرار، لكن هذا اللجوء جاء كثيفًا وفي فترة متقاربة، ومتزامنًا مع أزمة اقتصادية وكان عاصفًا فأثار مخاوف الجماهير، ومع تراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، كل ذلك مهد الطريق للشعبوية لتظهر وتنمو وبسرعة فائقة في وقت قصير، لتستغل مشاعر الجماهير الساخطة، وتم تهويل آثار اللجوء، وزعم الشعبويون أنهم البديل الأمثل للأحزاب التقليدية التي أوصلتهم إلى هذا المإزق. 

جاء الشعبويون بعد اختفائهم عقودًا، عندما وصلوا إلى الحكم في ثلاثينات القرن الماضي فأشعلوا حربًا عالمية ثانية. لم تقتصر أضرار المد الشعبوي على اللاجئين فقط، إذ كانت لهم أهداف قد تصبح مدمرة للاستقرار في الغرب، فالاتحاد الأوروبي الذي هو ثمرة جهود مضنية استطاع أن يحفظ الاستقرار عدة عقود من بعد الحرب العالمية الثانية. الشعبويون يريدون تدمير هذا الكيان الذي سبقت وجوده حروب بينية، كانت ذروتها الحرب العالمية الثانية. 

أحد أهم أهداف الشعبويون الخروج من الاتحاد الأوروبي، وإعادة الأوضاع على ما كانت عليه في الماضي، في كيانات الدول القومية. لم يتوانَ الشعبويون عن شن حرب ضروس على الاتحاد الأوروبي الذي (حسب زعمهم) يتحكم في القرار الوطني، ويعيق النمو الاقتصادي، هيّجوا الجماهير وجيّشوها بحجة أن المشكلة الاقتصادية واللجوء ذات علاقة بسياسة الاتحاد الأوروبي. 

رفعت هذه الموجات العاتية الأحزاب الشعبوية (وبعضها حديث النشأة) إلى سدة الحكم، ومقاعد البرلمان. كانت إيطاليا، وهي من الدول الأساسية في الاتحاد الأوروبي، قد سلمت قيادها لليمين الشعبوي، منذ العام الماضي، وكما نعرف فإيطاليا لها خبرة مريرة سابقة مع الشعبويين، في الفترة التي حكمها موسوليني، لكن يبدو أن المجتمع الإيطالي، قد نسى هذه التجربة المريرة، وهناك الأجيال الجديدة التي لا تعرف الكثير عن تلك الفترة الحرجة. كيف سارت الأمور تحت حكم الشعبويين الذي استمر أربعة عشر شهرًا؟ وكيف تلقى هذا التيار في هذا البلد الذي تأسست فيه النهضة الأوروبية ضربة قاسية مؤخرًا؟ 

.. للحديث بقية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها