النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11203 الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

مناحي مرزوق.. مسرح الوجوه الكاريكاتورية الأول في حياتي

رابط مختصر
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440

في العام الأول من سبعينيات القرن الماضي، حيث كنت طالباً في الأولى الإعدادية بمدرسة مدينة عيسى الإعدادية الثانوية للبنين، تتفتح عيناي على أول درس في مادة التربية الفنية للفنان الأستاذ مناحي مرزوق، وكان حول كيفية رسم الوجوه الكاريكاتورية ومقارنتها بالوجوه الواقعية، وكان درساً بالنسبة لي حينها جديداً ومثيراً ويدعو مخيلتك لتصور حتى الوجوه التي حولك بطريقة كاريكاتورية، وأذكر أن الأستاذ وفنان الكاريكاتور الشهير مناحي مرزوق، قد بدأ الدرس معنا برسم وجه دائري كبير مبالغ في حجمه، وبطن وجذع صغيرين دقيقين، وأقدام بسيقان نحيفة أشبه بأعواد البامبو، ثم دلف نحو إبراز هندسة الوجه الواقعي التي هي بالنقيض تماماً من الوجوه والأشكال الكاريكاتورية.

بعدها وقف على التفاصيل الدقيقة ملامح الوجه والجسد، وأيهم المستهدف في الرسم، العين مثلاً أو الفم أو الأذنين، ولكل واحدة من هذه الأجزاء معان ودلالات مختلفة على الصعيد الاجتماعي أو السياسي أو الإنساني، إذ يمكن أن تكون إحدى العيون بمثابة رأس في الجسد وكذلك الأجزاء الأخرى، فالمبالغة في الرسم الكاريكاتوري ضرورة حسب أستاذنا مناحي مرزوق، وهي التي تساعد على إبراز هدفنا من هذا الرسم الذي يبالغ ويغالي في إظهار عيوب الجسد لغرض هجائي بالدرجة الأولى.

في هذه الحصة المدرسية الأولى في مادة التربية الفنية، يأخذنا الأستاذ مناحي عبر سواد السبورة بطبشوره الجيري الأبيض الذي يبدو رشيقاً ومتموجاً بين سبابته وإبهامه وهو ينتقل من دائرة إلى أخرى، ومن مثل إلى آخر، يأخذنا إلى عالم هذا الإنسان وهو يتحرك ويتغير وينزع جسده من ثوبه الواقعي بحثاً عن ثوب آخر يسع حلمه أو جحيمه أو شكله الهزلي بعد التحول، كما يأخذنا من حيز تفاصيل الوجه الواقعي إلى حيز المحرف والمبالغ فيه والدال إدراكيا والمضحك والساخر، وذلك باعتبار فن الكاريكاتور هو فن المبالغة و السخرية الذي يكفيك عناء قراءة ما بين السطور لأن وظيفته كاشفة تعري المستور وتفضح المسكوت عنه. 

هذا الدرس الفني الكاريكاتوري الشائق حقا للأستاذ مناحي مرزوق، ربما كان له الفضل في توجيه اهتمام بعضنا من الطلبة نحو التعلق بفنون الرسم والتشكيل، وبعضنا الآخر نحو المسرح وفنونه، وكان من محاسن الصدف أن يكون الأستاذ الفنان الكبير عميد المسرح البحريني محمد عواد، وهو أخ الفنان مناحي مرزوق من والدته، كان هو المشرف على النشاط المسرحي بالمدرسة، وتشاء الظروف أن أكون واحداً من الطلبة الذين انضموا إلى النشاط المسرحي، والذي من خلاله رأيت كيف تتحول وجوهنا وأجسادنا إلى كائنات كاريكاتورية.

فضلاً عن ذلك، فإن الفنان مناحي مرزوق هو نجل أشهر عازف صرناي في الرفاع الشرقي، وهو مرزوق مناحي، الذي أطرب عشاق فن الليوه في الرفاع وفي البحرين، فحيث توجد (الليوه) يوجد مرزوق مناحي وصرنايه الطروب. 

وإذا أمعنت النظر أو دققت ملياً في هيئة وقامة الأستاذ الفنان مناحي مرزوق الإفريقية الطويلة المهيبة، سترى أنها هيئة أو قامة صاغتها روح فنان، بما فيها فنان الكاريكاتور نفسه الذي سكن روحه وذاته وملأ عالمه ومخيلته، حيث الرأس الذي يتعرشه شعر أشعث كثيف اختار له صاحبه أن يكون من فصيلة (النقرو) أو (الجاكسون)، وحيث الكرش الصغير الناتيء في أسفل البطن والمضغوط بقميص لاصق، وإذا ارتدى الثوب لا يمكن إلا وأن يستوقفك عقاله الضعيف المنسدل على غترة يضاعفان من حجم رأس أستاذنا الفنان. 

وبالرغم من كبر وثقل حجم قامة الأستاذ مناحي، إلا أنه يصعب أن تسمع لخطواتها صوتاً أو همساً، فهو كما النسمة العابرة حين يمضي إلى عمله أو درسه أو إلى سيارته بعد نهاية الدوام الدراسي، وكذلك صوته الذي تميز بهدوء ما بعده هدوء، حيث من الصعب أن تسمع له جهراً، وصوته الحقيقي في الدرس هو رسمه وشخصياته وليس فمه أو حنجرته، وإذا قهقه أستاذنا فرحاً أو سخرية، فإن قهقهته (العالية) التي تفصح عن ود ووداعة يبدوان على محياه، تشبه تماماً ابتسامته التي لا تستشعر من خلالها غير نسمات لطيفة تتخلل ثغره، كما أننا عرفنا هذا الأستاذ الجميل المبدع بتواضعه الجم وحلمه غير العادي وصبره الذي قل أن أجد مثله لدى من عايشتهم خلال حياتي كلها. 

الأستاذ مناحي، تتحدث معه وفي رأسه شخصيات يرسمها وينسجها ويتخيلها، وربما تكون شخصيتك واحدة من هذه الشخصيات التي يتخيلها، عندما تتأمله ترى عالماً في وجهه، وشخوصاً يستعيرها وأخرى يتخيلها ويقترحها ويمحدثها، صمته حديث آخر متأمل للشخصيات والأحداث التي تسكن رأسه وذاته ومخيلته وذاكرته. 

وفيما تبدو الحركة والتعبير باديان على وجه أخيه الأستاذ محمد عواد بوضوح من الخارج كونه المنحاز للمسرح أكثر من الرسم، تبدوان في الضفة الأخرى معتملة وساخنة ومتحركة من الداخل لدى الأستاذ مناحي، ومتنفسها الحقيقي هو العمل والرسم والتصميم وهي العناصر الرئيسة التي يعلن من خلالها بوحه عن حالته الداخلية. 

ويتجسد هذا المتنفس في تنفيذه لأفكاره وتصوراته التي يشركنا فيها كطلبة بالكشافة للمخيم الكشفي، فنكون أمام تصميمات جمالية مدهشة للبوابة الرئيسية للمخيم خاصة والتي غالباً ما تحظى مدرسة مدينة عيسى بسببها المركز الأول على كل المخيمات الكشفية المدرسية الأخرى. 

كما يتجسد هذا المتنفس، من خلال المسابقات والمعارض والكرنفالات الاستعراضية الصحية والوطنية التي تشارك فيها المدرسة المدارس الأخرى في البحرين، ويكون أول المتصدين لتصميمها الفنان مناحي مرزوق، حيث يحول ساحة المدرسة إلى كرنفال فني تتخلله منحوتات ومجسمات فنية، وكما لو أنها أعدت لعرض مسرحي مفتوح، ويشارك فيها بإيعاز تعاوني وراءه الأستاذ مناحي، أساتذة الفنون والرياضة أيضا من أمثال الأستاذ جليل حميدان رحمة الله عليه والأستاذ سعيد العرادي، ويكون في هذه المناسبة حصة للمسرح يتصدى لها الفنان الكبير الراحل أخوه محمد عواد، فللأستاذ مناحي مرزوق دور كبير في تحريك واستحثاث روح العمل والمشاركة الجماعية في المدرسة. 

ويعتبر الفنان مناحي مرزوق، أحد أهم أساتذة الفنون الذي علمني على أن الفن ينبغي أن يكون معضداً بالفكرة القابلة للنمو والتخلق، والمخيلة التي تفتح آفاقا واسعة وهائلة على عوالم متعددة لا نهاية لها، وكلما ابتعد الفن عن الأدلجة والمباشرة والتقريرية الفجة التي تستجدي تعاطفاً سياسياً أو اجتماعياً، واقترب من القضايا الإنسانية، أصبح مقبولاً وقابلاً لتأويلات خلاقة لا نهاية لها، وله في هذا الصدد إصدارات ضمت تجاربه الكاريكاتورية ذات الروح الفانتازية التي لا تلهث وراء الموقف الآني واللحظة الطارئة، بقدر ما تروم أن تشكل اتجاهاً جديداً في فن الكاريكاتور الذي يمكنك أن تقرؤه برؤى متعددة. 

هو الفنان الذي بسببه تمسرحت في مخيلتنا وجوه وأحداث، وأصبحنا نروم في كل ما نكتب أن يكون لنا فيما نرى حالة غروتسكية تستدعي التأويل كما هو الحال بشكل أو بآخر لدى أستاذنا القدير الكبير مناحي مرزوق، ولعلني بسببه أدركت فيما بعد بأن وراء شهرة رواية (دون كيشوت) كاتب كاريكاتوري ساخر وهو سرفانتيس، ووراء (رحلات جاليفر) كاتب ساخر أيضا وهو جوناثان سويفت.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا