النسخة الورقية
العدد 11151 الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

الخروج من جهنمية الاستهلاك

سلالات جديدة من الهراء اليومي

رابط مختصر
العدد 11119 الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1440

قال الصديق وهو في قمة الضيق: 

بالرغم من الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة والتي نعي مخاطرها، ونتطلع إلى تجاوزها، فإنني أرى الناس لا يتفاعلون معها بما يجب من سلوك الترشيد والتقشف والابتعاد عن المبالغة في الاستهلاك والتبذير. ففي كل مكان تذهب إليه تجد الاستهلاك والتبذير يفوق العقل في بعض الأحيان، خاصة في المناسبات التي يغتنمها الناس للتفاخر والادعاء، فإلى متى نتصرف وكأننا نحيى في بخاء وبحبوحة من العيش؟؟

 

لم تفاجئني الملاحظة فقلت للصديق:

أعتقد بأن المسألة لها علاقة بفوارق التوقيت -إن صح التعبير- فالواقع يتغير بسرعة وربما حتى فجأة بين عشية وضحاها (مثل الانخفاض المفاجئ لأسعار النفط في السوق العالمية، أو انهيار البورصات أو غيرها من العناصر المؤثرة جداً في الاقتصاد العالمي مثلما حدث في 2008 على سبيل المثال) ولكن الثقافة المرتبطة بهذه الأوضاع تتغير ببطء شديد، لأنها باتت مغروسة في الوعي والسلوك، ويلزمها وقت لتعيد ترتيب فعلها مع الوضع الجديد. ولذلك تجد الناس يتحركون بقوة الدفع السابقة من دون إدراك فوري لتراجع الأوضاع. ولكن بالتدريج يبدأون بإدراك انهيار القدرة الشرائية، فيبدأ التكيف التدريجي، وبقدر ما يكون الوعي مرتفعاً يكون التكيف أسرع.

 

قال الصديق: 

يا أخي الأزمة متواصلة من 2008 تقريباً ولكن الاستهلاك والتبذير متواصلان، ليس في المناسبات فقط، بل في الحياة اليومية في جميع مظاهرها وتقلباتها، حتى بات لصيقاً بالوجود اليومي للفرد والأسرة. ألا يكفي مضي عشر سنوات على بدء الأزمة الاقتصادية والمالية في العالم كافة، للوعي بهذا التحول الذي يستوجب التكيف معه وتطبيق شعارنا القديم المتجدد: «على قدر الكساء أمد رجلي»؟..

 

قلت للصديق:

قد يكون المفكر الفرنسي جان بودريار من المثقفين الغربيين الذين انتقدوا بشكل كبير ظاهرة الاستهلاك وثقافة الاستهلاك التي تدمر إنسانية الإنسان في النهاية، خاصة في ظل الأزمات المتعددة التي تنخر مسارات الحياة في المجتمعات الاستهلاكية، حيث اكتشف إننا محاطون بـ«نوع» أو«سلالة جديدة» تمثّل دليلاً خارقاً عن الاستهلاك والوفرة المرضية. وتتألف هذا النوع من «السلالات» من كائنات تتكاثر باستمرار... بحيث يصبح البشر محاطين بالوفرة الخانقة، كما لم يحصل لبشر قبلهم في تاريخ البشرية، ومحاطين بالأشياء أكثر من الكائنات الحيّة التي تفترض أن تكون حياتهم مرتبطة بوجودهم. (انظر كتاب «مجتمع المستهلك: الأساطير والبُنى»، 1970).

وهكذا تصبح التجارة اليومية للبشر لا تتأتى من تفاعلهم مع إخوانهم الآخرين مثلما كان في السابق، بقدر ما تأتي من تداول الثروات والرسائل والطلبات عن بعد. ويرجع ذلك إلى التنظيم الشديد التعقيد، ويرجع إلى الماكنة المادية للاتصالات وللفعاليات المحترفة، والاحتفاء المشهدي المتواصل بالأشياء الاستهلاكية في الإعلام، والتي تظهر يوميا في مئات من الرسائل التي تضخها وسائط الإعلام عن المواد الاستهلاكية والأدوات التقنية صغيرة الحجم التي يتوجب اقتناؤها بشغف من دون الحاجة إليها في أغلب الأحيان. لقد أصبحنا، مثلما يقول جان بودريار: «نحيا أكثر تحت النظرة البكماء للأشياء التي تُكرّر علينا يومياً نص الخطاب عينه، والذي يغوينا بالإشارات وبالوفرة الافتراضية»، بغض النظر عن مدى قدرتنا على دفع تكاليف الغواية. فكما أن «ابن الذئب يصبح ذئباً بفضل العيش مع القطيع، كذلك نحن أصبحنا كأننا أشياء لها وظيفة أيضاً». لقد كان عمر جان بودريار أربعين عاماً، سنة 1968، حين أصدر مؤلفه الأول «نظام الأشياء»، وهو المؤلف الذي فرضه باعتباره منظراً لمجتمع الاستهلاك و«العلامات»، حيث بين أن الأشياء تنتظم في نسق متماسك من العلامات يمكننا أن نفهم الاستهلاك انطلاقا منه. فقد أصبح الاستهلاك هو محور أخلاق العالم الجديد وتوابعه، وساهم في تحطيم الأسس التي يقوم عليها الكيان الإنساني، أي التوازن الذي حافظ عليه الفكر الإنساني، منذ عصر الإغريق. فالمجتمع بات للأسف الشديد يقيم توازنه وحياته على أساس من الاستهلاك في جميع لحظات اليوم الواحد، في العمل وفي البيت وفي الشارع، وحتى في الاجازات: الاستهلاك بات يلف حياتنا ويدخلها في لعبة جهنمية لا تتوقف عند حد، حتى كأنها الإدمان.!!

والاستهلاك، بهذا المعنى لا يصبح طرفاً في معادلة الإنتاج مثلما كان الامر في الرأسمالية الكلاسيكية في صورها الأولى، بل أصبح نمطاً نشيطاً من العلاقة مع الجماعة والعالم. ومن هنا جادات العلامات التجارية وجاء الإعلام والإعلان ليكملا دورة الاستهلاك والحث على الاستهلاك بصورة إلحاحية غير منصفة، تدفع حتى الفقراء وذوي الدخل المحدود من الطبقة الوسطى إلى الدخول في أتون الاستهلاك غير المبرر وغير المنتج. وأصبح هذا الوضع في مجمله يشكل جزءًا من اللغة الخشبية، المبتذلة التي تصور العالم والاشياء والبضائع التي لا نحتاج إليها وكأننا في أمس الحاجة إليها لكي نلتحق بالعالم كما يريده الإعلان. وللأسف فإن هذه النظرة قد شكلت بداية التفكير في النزيف الذي لا يصدق للواقع، وهو نزيف قد يفرغ المجتمع من كل ما هو جوهري، ليعوضه الخواء والهراء الذي يجسده الاستهلاك. 

ختم الصديق هذه المطارحة بالقول: «نسأل الله حسن العاقبة»!

 

همس

 في الفجر القادم

وزحمة الأنفاس يأخذها الهوى،

في الرحلة المسكونة بالصمت

نرحل كل مساء، 

بلا شراع

مِنْ سنا الضوء الطالع

من وراء الغياب، 

نلتقي في صفحة الليلة القادمة. 

والشوق ينطفئ عند الإياب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها