النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

جاذبية الأفكار الإنسانية 7 -‏‏ 10

رابط مختصر
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440

جاءت الثورة البرجوازية الفرنسية عام 1789 لتستكمل عصر النهضة والتنوير، فحملت الطبقة البرجوازية للانسانية مبادئ وأفكارا عظمى، كالعدالة والاخوة والحرية والدستور وحقوق الانسان، مكتسحة ليس تلك الثورة بأفكارها ومشروعها القارة الأوروبية وحسب، وإنما حلّقت إلى ما وراء المحيط نحو القارتين الشمالية والجنوبية لأمريكا، مستكملة «البوليفارية» اللاتينية تلك الأفكار العظمى كشوفات كبرى ستترك خلفها انقلابا معرفيا، ليس لجغرافية الكرة الارضية وحسب، بل وللتنقيب عن المعادن الثمينة الجديدة كالذهب والفضة، وتكريس ثقافة ونظم ديمقراطية مختلفة عن البيت الأوروبي. ولكن ما أن تبوأت البرجوازية سدة الحكم بعد موت وإزالة الاقطاعية في فرنسا وأوروبا، سرعان ما تحالفت مع الكنيسة الكسيرة واستنهضتها وقوّت من عضدها، فخانت أفكارها التنويرية تلك، كما قال الكاتب النرويجي المسرحي هنريك ابسن عام 1830 «إن البرجوازية خانت افكارها»، تلك الخيانة التاريخية لم توقف القارة الاوروبية وخارجها من استيلاد أفكار جديدة لاحقة، سيكون عام 1848 وثورة 1852 في باريس باكورة عهد جديد لطبقة وليدة لها جاذبيتها الفكرية بين مكونات اجتماعية، خاصة الطبقة العاملة، طبقة تأسست إثر نشوء الثورة الصناعية في بعض البلدان الأوروبية المهمة كألمانيا وفرنسا وبريطانيا. 

وقد طرح بعض المفكرين والمثقفين سؤالا جوهريا حول مشروع عصر التنوير، وهل انتهى أم لا في القرن الثامن عشر. 

في الواقع أسس مبادئ عصر التنوير لمسألة التقدم والثقة والنظام في قدرة وامكانية التحكم في الطبيعة والتاريخ، فقد رسم القرن التاسع عشر عصرا متناقضا بين المذهب الرومانسي والثورة، ووجدنا كيف سيتواصل القرنان التاسع عشر والعشرين في لجة تلك «الحكايات العظيمة» حسبما أشار لها جان فرانسوا ليوتارد، والتي دفنت المبادئ المتفجرة السابقة. ويظل السؤال متواصلا بين أجيال عدة تجد نفسها وهي في عصر ما بعد الحداثة في مواجهة انهيار تلك الانظمة، التي حملت أفكارًا إنسانية جذبت نحوها ملايين البشر، وسوف نستعرضها على شكل مكثف متسلسل. 

ففي الوقت الذي تراجعت فيه الطبقة البرجوازية عن أفكارها النيرة فأنتجت نمطا ونموذجا «بونابارتيا» و«بسماركيا» ينزح نحو العسكرة والنزعة التوسعية وخنق الإخاء الإنساني من خلال التفوق العرقي والقومي. 

في مثل هذه الحقبة من صدمة الانسانية لعالم كولونيالي وامبريالي يتمدد، كانت طبقة فتية صاعدة 1830-1840 هي الطبقة العاملة بأفكارها، بعد ان خرجت من شرنقة الأفكار الطوباوية في القارة الأوروبية، حيث كانت مثار نقاش عميق حول أفكار روبرت اوين وشارل فورييه وسان سيمون. ففي الوقت الذي كان مفكرو المادية والشيوعية العلمية في صراعهم كانوا يفتحون لهم كوّة من قلب تلك الاشتراكيات المثالية، كانوا في الوقت ذاته، في صراعهم العميق مع كل بقايا الأفكار القديمة الممتدة منذ عهد الإقطاع والثورات الصاعدة. 

وبالرغم من دور الطبقة العاملة في مساندة البرجوازية وثورتها في تدمير قلاع الاقطاعية، غير أنها لم تكن في تلك الحقبة ناضجة وقوية بتنظيماتها وحلقاتها، ولكنها بدت تتغلغل في صفوف الطبقة العاملة الفتية القادمة على مسرح التاريخ. وخلال 128 سنة ممتدة بين فترتي اندلاع الثورة البرجوازية الفرنسية (1789) و( الثورية البلشفية الروسية 1917) كانت أفكار التنوير والحداثة تحفر لها مكانا بين الجدران المتآكلة، وهذه المرة ستكون الطبقة العاملة متسلحة بأفكارها المادية ورموزها ومفكريها وأحزابها، وستبقى خلال القرن التاسع عشر والعقدين الاولين من القرن العشرين تشكل مرحلة مهمة من مراحل اتساع وبروز أفكار جاذبة تنادي في أوروبا والعالم بالرؤية العميقة والجديدة للفكر التنويري الأكثر راديكالية من السابق، حول مبادئ العدالة والمساواة والحرية، فهذه المرة ستكون هناك طبقة تاريخية أخرى ومفكرين آخرين هم مركز الحدث في المسرح العالمي، وبدأت تلك الأفكار الجديدة «كالشيطان المخيف» لدى الأنظمة البرجوازية في أوروبا، رغم أن «العصبة الشيوعية» كانت كالجنين ولكن ماركس في «برنامج» البيان الشيوعي وصفها بما يلي، على لسان الأنظمة البرجوازية الرجعية في أوروبا، بقوله: «هناك شبح يجول في أوروبا اسمه الشيوعية» البيان /‏1848.

 هذا الشبح بدأ ينتظم ويتسع وتصبح أفكاره داخل المجتمع والطبقة الجديدة أفكارا جذابة حملت الكثير من الحلم الانساني في تلك الفترة، بل ونادت بضرورة القضاء على فكرة «استغلال الإنسان للإنسان»، هذا البريق اللامع الجديد سيحفر في وعي الطبقة العاملة موضوع المساواة وإلغاء الملكية الخاصة وسلطة الطبقة العاملة وتحقيق الاشتراكية، ليس في بلد واحد وحسب، بل وفي كل العالم. تلك الأفكار الثورية حينها كانت جنينا جذابا للطبقة الجديدة الفتية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها