النسخة الورقية
العدد 11151 الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

الهوية الثقافية للمجتمع

مواقف ثابتة في واقع متحرك

رابط مختصر
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440

كثيرًا ما ركز الفكر العربي الحديث والمعاصر على موضوع الهوية الثقافية للمجتمعات العربية، والتنازع حولها مفهومًا وتشخيصًا. وقد أدى ذلك في الغالب الأعم إلى ما يمكن وصفه بالفذلكات اللغوية أو المعادلات الجاهزة للتصدير، من خلال التسويق لما يسمى بـ«التوازن» بين الأصالة والمعاصرة، إلى درجة أنها أصبحت معادلة كاريكاتيرية في بعض أوجهها، لا يعبأ بها الواقع الذي تحكمه «ميكانزمات» مختلفة، ومتفاوتة بحسب كل بلد، بل وكل منطقة حتى.

وهذا جعل هذه المعادلة بعيدة كل البعد عن طبيعة التحولات التي شهدتها وما تزال تشهدها المجتمعات العربية خلال قرن كامل أو أكثر من الزمان، من دون أن تظهر أية فائدة لهذه النظرية (المطمئنة)، في (القاع السوسيولوجي العربي). ويكفي هنا العودة الى الواقع في الريف العربي أو في مناطق البداوة المعزولة أو في ممارسات وعادات وتقاليد بعض المناطق المدينية المختلفة وبين أوساط المذهبيات والإثنيات المتعددة في الوطن العربي، حتى ندرك أن هذه المعادلة قد تبدو مريحة من الناحية النظرية فقط، إلا أنها غير تصرف في الواقع العملي، أو على الأقل لا يبدو هذا الواقع سائرًا نحو تحقيقها في اتجاه مستقيم، لأنه يتحرك في شكل دوران حول النفس من دون أي تقدم يذكر، أو أي تجاوز أو قطيعة. ويمكن أن نرصد ثلاثة وجوه لهذه الإشكالية:

- الوجه الأول من هذه الإشكالية يتمثل في أن موقف الفكر العربي الحديث والمعاصر من هذه المسألة - بالرغم من انقساماته في هذه القضية بين نزعة القطيعة الكاملة مع الماضي ونزعة الانغماس في هذا الماضي وتوهم إمكانية إحيائه وإعادة انتاجه، ونزعة التوفيق (أو التلفيق) بين الاتجاهين السابقين - يبدو وكأنه غارق في لعبة نظرية تتم على الورق، بغض النظر عما يجري في الواقع من تحولات ومتغيرات وما يشهده من إعادة انتاج لتوجهات كنا نظن أنها ماتت واضمحلت منذ عقود من الزمان. وليس ببعيد عنا هنا ظهور تيارات وجماعات متطرفة مثل (القاعدة) و(داعش) وغيرها من المسميات المختلفة التي تتحدث عن الخلافة الإسلامية، وعن الدولة الإسلامية، وعن التكفير والهجرة، وعن رفض الغرب ومعاداته ورفض الحداثة واعتبارها كفرًا، بل والحديث عن (إماء وجوار وتسرِ) وعن (سبي والعبيد) وغير ذلك من المفاهيم والمصطلحات التي تنتمي إلى زمن قديم موغل في القدم، وذلك في عصر العولمة وثورة الاتصال والتواصل... مما ينتفي معه أي حديث عن (أصالة) وعن (معاصرة) أو أي تركيبة أخرى تجمع بينهما، تجاوزا أو قطيعة.

- أما الوجه الثاني من المسألة فيتمثل في مشكلة تطال التلقّي العربي لموضوع الحداثة، وهي أنّ الحساسيّة العربيّة إزاء تمركز الفكر الغربي حول «تاريخ الغرب» عادة ما تؤدّي إلى فهم «المركزيّة الغربيّة»، بشكل شعبوي، فيتحوّل الفكر إلى ردّة فعل عاطفيّة وارتكاسيّة إلى الهويّة الدينيّة واللغويّة، كما نجده في كتابات العديد من المثقفين العرب من الذين يريدون إقناع العالم أنّنا، نحن العرب والمسلمين، «شيء آخر»، ونوع بشري مغاير، مختلفون، بحيث لا تسري علينا مقولات الفهم الإنساني كما حدّدها الفلاسفة. وبهذا الفهم لا يكتفون بترسيخ الكليشيهات الاستشرافية العنصريّة، بل إنهم يجلبون حولهم الكثير من المتعاطفين من الشّباب الذين فشلوا في المصالحة بين تربيته الدّينيّة وبين جرأة التّفكير التي نتعلّمها من فلسفات هيدغر، نيتشه، فوكو وغيرهم، هؤلاء الشّباب وجدوا أخيرًا ملاذًا آمنًا ليقينيّاتهم في عدد من المرجعيات التلفيقة.

- أما الوجه الثالث والأخير لهذه الظاهرة، فهو غياب النّزاهة والصّدق في توجّه العديد من الدّارسين إزاء الإشكاليات الكبرى في الواقع العربي وفي الفكر العربي، ومنها إشكالية الهوية والاصلة والمعاصرة، حيث يميل من هؤلاء المفكرين إلى تعزيز التلفيق، والهروب من مواجهة الحقائق بشكل نزيه، وهي ظاهرة التقيّة الفكرية -إن صح التعبير- إزاء المجتمع، ومن هنا يقعون في شيزوفرينيا مزمنة، وهي مشكلة عميقة الجذور تعود إلى طبيعة المجتمعات العربيّة، فهي ليست مجتمعات الحريّة بقدر ما هي «مجتمعات الخوف» بامتياز، حيث الفرد ينشأ منذ الولادة على مقولات الخوف وصور التّرهيب، وخطاب الرّعب والتهديد والتعريض، فلا يمكن أن ينشأ سويّا في مجتمعاتنا؛ فما بالك أن يفكّر بشكل حر. وللأسف فإن العديد من المثقّفين العرب بما فيهم الماركسيون والليبراليون قد انتهوا إلى العودة إلى أحضان المجتمع التقليدي المحافظ، كمن يتبرّأ من ماضٍ إجرامي، بل وانكفأوا على أنفسهم مرددين مقولات لا تختلف كثيرًا عن شعارات الجماعات الدينية والطائفية المتطرفة، حيث نجحت المزايدة في التدّين في قتل كلّ تفكير جريء أو مختلف عما هو سائد.

إنّنا نعيش في عصر جديد تكاد تختفي فيه الثنائيات التقليدية والمعادلات الملفقة المهلهلة، حيث ينمحي التّمييز بين الموقف الفلسفي الأصيل للثقافة العالمة، وبين الاعتبارات السياسيّة والأخلاقيّة للمجتمع والجماهير التي يستحيل التحكّم فيها من دون الأوهام والأكاذيب المنتجة عبر الثقافة التقليدية والمؤسسات الدينية الطائفية. وهنا تبرز النخبة الفكرية والسياسية في ساحة الخطابة والبيان المزيفة لمحاولة التأثير على الناس بالترهات وإثارة العواطف والمشاعر الغريزية، باسم الفكر أحيانا، وباسم السياسة أحيانا، وباسم الدين أحيانا أخرى، فيدخلون في جدالات سياسيّة وفقهيّة وطائفيّة عقيمة، ويغذّون وعيًا زائفًا يسمّونه (الوسطيّة) أو الجمع بين الأصالة والمعاصرة. وهذا ما جعل موضوع الهوية الثقافية للمجتمعات العربية ينظر إليه بأنه خاضع إلى تجاذبات داخلية وخارجية، يتواجه فيها عاملان متقابلان بالضرورة وهما عاملا الانفتاح والمحافظة على نحو مستمر، إلى أن يستقر الأمر فيما يسمى بـ(الوسطية) بما يحقق التوازن بين طرفي المعادلة. ولكن في الحقيقة تلك مجرد توهمات لا علاقة لها بالواقع!!

همس

الغيمة الراحلة هذا المساء

 في سماءٍ صافية

من حزني وحزنك

وبقايا رحلة الخيبة.

في غيابك

البنفسج أضاع البسمة

وعلق في عنقي

وأشواقي التي غابت

يوم غبت

والألوان ورائح البنفسج.

لهفي على البنفسج.

والطريق مسافةٌ

بين القلبٍ القلب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها