النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

في صحبة الكتابة (5)

رابط مختصر
العدد 11115 السبت 14 سبتمبر 2019 الموافق 15 محرم 1440

 الكتابة هي اختلاج لما يدور في العقل ويطرأ عليه بين وقت وآخر، مصحوبًا برغبة جارفة عند الكاتب لإخراجه من عتمة الداخل إلى الخارج، ويكون أحد (وليس كل) أهدافها الوصول إلى قارئ افتراضي للاتصال به وإحداث تأثير فيه، ولا يمكن حدوث ذلك التأثير، إلا بوجود بصمة إبداعية مؤثرة، ومعنى يغزو وجدان القارئ.

 وكل أشكال الكتابة تنتظم في هذا العقد الجميل، إلا إنها تختلف في التفاصيل، لذلك فاندماج أشكال الكتابة القائم في العصر الحديث راجع إلى انتمائها وخروجها من منبع واحد، يذهب ماؤه إلى قنوات مختلفة وتضاريس متعددة، وهي ما سميت بالأنواع الأدبية: رواية وشعرًا وقصة ونصًا ونقدًا، وتشكيلاً وموسيقى وسينما. ولا تكتمل الكتابة إلا بانتقالها إلى هذا القارئ، حتى لا تتحول إلى مناجاة مع النفس ليس لها تأثير، والكاتب الذي يقول يكفيني قارئ واحد (كما يحدث عند البعض)، ليس صادقًا فيما يقول، فأحد أسباب الكتابة هي رغبة الاتصال مع الآخرين. 

الناقد الفرنسي رولان بارت يذهب أبعد من ذلك حين يعلن عن (موت المؤلف)، وهذا التوصيف فيه (مع أشياء أخرى) تأكيد على الإرسال والاستقبال الذي يتم عبر التراسل بين الكاتب والقارئ، وهو يعتقد بهذا التوصيف أن الكتابة، بعد أن ينتهي منها الكاتب تصبح ملكا للقارئ المنفعل بها، هذا الانفعال والخلق الذي يتعدد بعدد القراء، وفي هذا التوصيف أيضا تأكيد لشراكة القارئ في الكتابة، ومن جانب آخر، فهذا التوصيف (حسب رأيي) فيه مبالغة وهو مجازي كما أعتقد، فوجود قارئ يقرأ الكتابة ويعيد تأويلها واختلاق نص جديد يخصه، لا تعني موت الكاتب، وعلى النقيض تمامًا، أرى في ذلك انبعاثًا جديدا للكاتب. 

لكن هل يتحقق الاندماج بين الكاتب والقارئ في كل الأحوال؟ ذلك يعتمد على طبيعة المجتمع، ففي البلدان العربية ستظل العلاقة بين الكاتب والقارئ هشة، في ظل التسطح الثقافي والتصحر الحضاري الذي نعيشه، فالقراءة بشكل عام متدنية في الوطن العربي، مما يعني أن الكاتب عندنا يعيش في عزلة يفرضها المجتمع عليه. إن ابتعاد المجتمع عن الكاتب والكتاب يولد إحباطاً شنيعًا لدى الكاتب، كما يشكل ظروفًا طاردة للكتابة والإبداع، ويتجلى هذا الخلل بين الكاتب من جهة، وبين المجتمع الذي جله لا يقرأ، في ضعف الإقبال على قراءة المؤلفات الصادرة في البلدان العربية، حيث بدا الأمر كما لو أن الكتابة الورقية هي قيد الاحتضار. 

وهنا تصبح إشكالية العلاقة بين الكاتب والقارئ مركبة وعميقة، تترتب عليها نتائج سلبية متعددة، مثلا، تتخذ دور النشر في السنوات الأخيرة، مواقف صارمة على إنتاج الكِتاب لسبب تقلص عدد قراءه، فهي تهتم بالربح أكثر من اهتمامها بالمردود الثقافي والمعنوي للكتاب، ويلجأ الكاتب في هذه الحالة إلى نشر كتابه بتكاليف تثقل أعباءه، خصوصاً وأنه يصدر أكثر من كتاب في العقد الواحد، وعندما ينتهي الكاتب من طباعة الكتاب، فهناك في انتظاره صدمة أخرى أشد هولا وأكبر، فالكتب المطبوعة التي كلفته جهداً طويلاً ومالاً دفعه من مصاريف أسرته، سيكون مصيرها المخازن المظلمة، فلا أحد يشتري الكتب أو يقتنيها، وهكذا يزداد شعور الكاتب بالعزلة. 

يهم الكاتب كثيرًا أن يكون مقروءًا في المجتمع، فالكتابة، هي نشاط اجتماعي يعتمد على وجود تراسل بين جهتين، جهة ترسل الكتابة إلى جهة أخرى تقرأها، وأي خلل يحدث في طرفي هذه المراسلة يضر بالكاتب بالدرجة الأولى، ما الذي يعني انقطاع أو ضعف هذا التراسل؟ تصبح العملية ناقصة، وتعبر عن خلل اجتماعي ثقافي وحضاري. 

هذا الخلل تكون له تبعات مؤلمة وكارثية، فالكتاب هو الحضارة، والقراءة تبني هذه الحضارة، وعندما تنعدم القراءة يتوقف بناء الحضارة، كما يتوقف العقل عن التفكير، إلا في الحدود المعيشية الضيقة، وليس سرًا أن أقول، أن أحد كوارث هذه الأمة هو انقطاع أفرادها عن القراءة، باستثناء نسبة قليلة يكون تأثيرها محدودًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها