النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11208 الإثنين 16 ديسمبر 2019 الموافق 17 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:53AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:29PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

جاذبية الأفكار الإنسانية 6 /‏ 10

رابط مختصر
العدد 11113 الخميس 12 سبتمبر 2019 الموافق 13 محرم 1440

بعد أن بدأ المعارضون يشنون هجومهم اللاذع على تيار التنويرية، حيث كتب باليسو كوميديا عنوانها «فلاسفة التنوير» هجا فيها روسو بكلام ساخر ووصفه بالمتوحش الذي يشبه القرد كما سخر من هلفتيوس وديدرو وغيرهم من فلاسفة ومثقفي عصر التنوير. كان أمام المجتمع الاوروبي نمطين من الايمان السائد القديم الكنسي والجديد التنويري العقلاني، فقد هاجم بقوة فلاسفة التنوير باستمرار سلطة الكنيسة الكاثوليكية فأعطت تلك الانتقادات اللاذعة انطباعًا بذلك الموقف القوي والمزاج المناهض للكنيسة إبان عصر التنوير، مما استدعى الأمم الاوروبية المختلفة في القرن الثامن عشر ملاحظة أن مؤسسات الدولة تظفر بالنفوذ والسلطة على حساب الكنائس القائمة الكاثوليكية منها والبروتستانية، حتى بدا المشهد ملتبسًا في ذهن المجتمع والجمهور في القرن الثامن عشر مفاده أن «الإيمان» في حالة دفاع مستمر ضد المسيرة المتقدمة الظافرة «للعقل» غير أن الحقيقة خلاف ذلك فقد عرف عصر التنوير ايضا في مرحلته تطور حركات دينية قوية من نموذج الكنيسة الميثودية (Methodism) التي ظهرت في انجلترا. وفي المستعمرات الامريكية الشمالية «اليقظة الكبرى» ظهور طائفة الحسدية أو الحصيدية السرية بين يهود بولندا (Hasidism مذهب في الباطنية اليهودية يحاول العودة الى النقاء الأول وعدم التأثر بديانات الأغراب وعاداتهم). الولايات البروتستانتية الالمانية، وحركة التقوى. فاذا ما كانت معارضة عصر التنوير المزدهر احد روافده الكنيسة وبقايا الاقطاع ومن كان تحت قفطانهم، فإن هناك بالمثل مفكرين خارج التفكير الكنسي مثل «هامان» أو «وليم بليك ( 1757- 1827)» الانجليزي الأكثر شراسة في معارضته «لعبادة العقل المنتشرة» في ذلك الوقت، كان بليك متحمسًا للثورة الفرنسية بقدر ما كان قلقًا من الثورة الصناعية، ولقد فضح «طواحين الظلام الشيطانية»، «والبؤس البشري الذي يعاني منه جماهير العمال الذين تكتظ بهم المصانع». 

وقد نشر كتاب شعر بعنوان «زواج الجنة والنار» حيث يعارض في هذا الكتاب الحكمة العقلية، والغريب أن كتابه نشر عام 1789 وهو عام اندلاع الثورة الفرنسية، وبذلك سنجد تجاور الثورات الجديدة مع ازدهار افكار التنوير وبداية الاهتمام والتعاطف مع البؤس العمالي في بريطانيا وغيرها، وعلى انقاض وليم بليك وغيره ستولد مذاهب وشخوص مهمة كما هي الافكار الاشتراكية والطبقة البرجوازية والعاملة كطبقتين جديديتين ومفكرين وفلاسفة من نمط هيجل وفورباخ وانجلز وماركس. 

لكل عصر مزدهر مرحلته، ويتلاشى لتنبثق الافكار الجديدة والطبقات الجديدة برموزها، فقد انتهى عصر التنوير مع الثورة الفرنسية، فقلة قليلة من فلاسفة التنوير الذين خلقوا عصر التنوير عاشوا أو رأوا الثورة الفرنسية، التي قام بها جيل شاب اصغر سنًا، حيث قدمت هذه الثورة قادة من اليعاقبة المتطرفين أمثال مكسيمليان روبسبير وسان جوست مهندسًا عهد الارهاب، معتبرين نفسيهما وكلاء لجان جاك روسو. وحالما قيضت السلطة لروبسبير شرع بأخذ ثأر روسو من فلاسفة التنوير المتكلفين الذين تكاتفوا لاضطهاده. 

تلاطمت أمواج عهد الافكار التنويرية للثورة الفرنسية مع حمامات الدم والقتل والاعدامات، والتي انتهت بعنق روبسبير وسان جوست نفسيهما على المقصلة، ولم تتح له استكمال مشروعه التغييري لفرنسا حيث قال روبسبير: «سوف تخلق فرنسا من جديد من الناحية الاخلاقية عندما تكرس نفسها للموجود الأسمى، وتجعل من الفضيلة معيارًا لكل جانب من جوانب الحياة العامة». يا لبؤس روبسبير وأحلامه، فالتاريخ وعجلته لم يتح له ولا لرفيق دربة جوست تنفيذ خططهم وبرامجهم. يومها لن يكون في استطاعة الباحثين ولا المؤرخين القدرة على تصنيف من هو التنويري وغير التنويري في الثورة الفرنسية، فقد تغلغلت في الثورة الافكار البرجوازية المتناقضة في شعاراتها ومبادئها، بين رومانسية الافكار النيرة والواقع الطبقي الدموي من أجل الصعود الى قمة السلطة.

قد ينتهي عصر بناسه وطبقاته وملاحمه، ولكن الافكار الانسانية تستمر وتتعاقب دون توقف حتى وإن أصيبت بالتراجع والجمود والعطب المؤقت، فالافكار لا تموت كما تموت الانظمة والطبقات ومن هنا قوتها وجاذبيتها الانسانية، حيث القرن التاسع عشر لن يكون كما هي القرون السابقة، خالياً من المثل والقيم والافكار والتضاد والصراع الكامن والخفي والظاهر في المجتمع.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا