النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

«منديل الحلو» من توفيق الحكيم إلى عبدالعزيز محمود

رابط مختصر
العدد 11111 الثلاثاء 10 سبتمبر 2019 الموافق 11 محرم 1440

من عودة الروح إلى روح الحب... «منديل الحلو»، من رواية «عودة الروح» للأديب الكبير توفيق الحكيم إلى شعر غنائي بقلم الشاعر مرسي جميل عزيز إلى اغنية يغرد بها المغني عبدالعزيز محمود، وإلى فيلم سينمائي استوحى الكاتب والمخرج عباس كامل من «منديل الحلو» قصة حب لعمل سينمائي مدته ساعتين يمثل فيه الممثلة والراقصة المشهورة تحية كاريوكا مع مغني الاغنية عبدالعزيز محمود والممثل القدير محمود المليجي، وبهذا التعاطي على التوالي مع «منديل الحلو» فقد تدحرجت الكلمتان ككرة ثلج، من تعبير عابر عن الفرحة في رواية، إلى كتلة كبيرة تتخطى قياس التعبير في الرواية، ولأن هاتين الكلمتين قد وردتا مرة واحدة فقط في الرواية فمن النادر أن يلتفت أي قارئ إليهما خارج سياق يقتضيه حبك الرواية، ولكن يبدو أن هذا التعبير العابر قد انجذب إليه أهل الفن، فما يراه أهل الفن لا تراه عيون الأدباء والمثقفين. «منديل الحلو»، هما كلمتان ليس إلاّ، ولكنهما ترسمان لوحة جميلة لقصة حب، فالكلمتان في قواعد الحب وقواعد الحياة تكونان جملة كاملة مفيدة، وكاملة الوفاء باعطاء المعنى، تشع منها آهات النفس وأشواق القلب وألم في الروح مخافة أن لا تلتقي دفتا الحب، على الرغم من قواعد اللغة التي ترى في الكلمتين شبه جملة لم يكتمل أركانها... فما أجمل قواعد الحب، حتى الحب في صمته، قياساً بقواعد اللغة والكلام، فلا عجب أن يكون من طبيعة القواعد الجمود والجفاء والتجرد من الرقة والجمال... إن انتقاء كلمتين من بين ألوف الكلمات من متن رواية نابعة من فضاء الأدب، وتحويلهما إلى عنوان شعر وأغنية وإلى عمل سينمائي كبير في عالم الفن بتعدد أغصانه، له دلالة على أن للكلمة، مفردة أو مقرونة بأخت، لها سحر البيان، ولها وقع على النفس، تقتضي من النفس إجلالها، فكلمة «البؤساء» بحد ذاتها، عنوان رواية عظيمة للشاعر الفرنسي ڤيكتور هوغو، تحمل ثقل المعاني وكامل البيان في معترك الحياة من أجل الوجود، الوجود اللائق بالإنسان... 

«منديل الحلو» في سياق الرواية تغنى بها العم الاكبر لمحسن العاشق الولهان بابنة الجيران، وكان الحب من جانب واحد، محسن العاشق، الذي كان يحمل شعلة الحب لوحده، كان ابن عمدة في إحدى قرى مصر وكان يعيش في القاهرة مع أعمامه الثلاثة وعمته الوحيدة و كانت حالتهم الاجتماعية تتارجح بين فقر مقدور عليه ومتوسط حال لا يحسدهم أحد عليه. كدأب كل البيوت، كان بيت الاعمام في حي جامع للجيران وبعض الدكاكين ومقهى على قارعة بعض الطرقات. جار الاعمام كان ميسور الحال، وله ابنة فائقة الحسن والجمال تعلق قلب محسن بها، بينما كان قلبها متعلقاً بمن هو من جنس طبقتها الاجتماعية. ولفرط حب محسن بابنة الجيران كان يتلهف للحصول على شيء من أشيائها حتى يشم من ذاك الشيء رائحتها ويتلمس ما كانت تلمسه اناملها ويتنفس مما كانت تتنفس فيه، وكان هذا عشقاً بالشيء تزلفاً إلى صاحب الشيء، فإن الحب، وخاصة الحب اليتيم، يخلق من الأشياء معابد للصلاة والتقرب إلى المعبود، هكذا كان حب محسن لابنة الجيران سنية. استطاع محسن أن يحصل، بطريقة ما، على منديل الحبيبة، بمعنى أنه امتلك شيئاً من أشياء الحبيبة خلسة دون علمها وفي غفلة من أعمامه وعمته وبقية الجيران، فكان غياب المنديل حديث البيتين وبعضاً من البيوت المجاوره، ولكن الشبهة كانت تحوم حول اثنين من الاعمام الشباب، أما العم الأكبر فتحي فكان أكبر عمراً من هذه النزعات، فأضحى أمر اختفاء المنديل مع الوقت شيئاً منسياً من الماضي، وهكذا أمر الانسان يغلي حزناً أو غضباً أو ألماً أو قهراً عند فقدانه لما يحب ولما يملك، ولكن حرارة النفس وغليانها تبرد مع تراكم الايام. 

إن الحقائق وإن بقت غائبة، فهي لفترة من الزمن وتتكشف بعدها الحقيقة، وقد يكون الكشف عن الحقيقة مؤلماً أو شافياً أو مفرحاً، ولكن الحبيب محسن عندما تكشفت له حقيقة حب الحبيبة، ليس له ولكن لشاب آخر، وأن الحب بينهما قد ارتقى إلى قرار الزواج اسودّت الدنيا في عينيه، هنا كانت الصاعقة الكبرى على العاشق اليتيم، وتملكه الحزن وتمادى الحزن في أعماق نفسه إلى كآبة، كان يمكن أن تكون قاتله، ولكن أعمامه كانوا له العون والدواء، فتذكر فجأة، في وسط آلامه وإحساسه بالدونية، بأنه يملك شيئاً من أشيائها «المنديل»، إذ لم يبقَ له من حبها سوى منديلها، فانقلبت أساريره من الحزن الجارح إلى فرحة عارمة فصاح في أعمامه: المنديل، منديلها... فتصايح الأعمام الشباب فرحين بفرح ابن أخيهم وأخذوا يصيحون: منديلها... منديلها...، فاسفسر العم الأكبر عما يجري من هرج و مرج، فقالوا له إن منديلها عندنا، فلم يتمالك العم فتحي الفرحة التي غمرته واطمأن بها على ابن أخيه فأخذ يصيح: منديلها معانا... معانا منديلها... يا سيدي منديلها... منديل الحلو... الحلو... الحلو... الحلو... 

إن الانسان في لحظات الفرح، الفرح الشافي، قد ينطق بدرر الكلام وقد يتفوه شعراً أو آية من آيات الحكمة دون أن يدري، وهكذا الحال كان مع العم الأكبر لحظة فرحه لفرحة حبيبه ابن أخيه، فكانت ولادة «منديل الحلو»...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها