النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

جاذبية الأفكار الإنسانية (5 /‏‏ 10)

رابط مختصر
العدد 11110 الاثنين 9 سبتمبر 2019 الموافق 10 محرم 1440

لم تكن الرواية والسرد وحدهما التعبير الوحيد عن ملامح الصراع في عصر التنوير، فقد كانت الموسيقى أيضا جناح حلق بها نسر التنوير، بعدما ازدهرت دور الأوبرا وازداد عدد الحفلات الموسيقية العامة فكانت بديلاً عن كل ما كان تحت مظلة البلاط والكنيسة. 

ولعب انطوان فيفالدي (1678 - 1741) ونظيره سكارلاتي الايطاليين (1685 - 1757) دورًا رياديًا عبر إنتاجه الغزير. وبين اشتعال ايطاليا وتدفق باريس موسيقيا، اشترك الموسوعيون في هذه الجلبة فقد كتب روسو معظم المقالات الموسيقية للموسوعة بل وكان مؤلفًا لبعض الاوبرات الايطالية الناجحة مثل «عراّف القرية». وبرغم الطابع الديني لغالبية الاعمال في تلك الحقبة، فإن روسو سيكون مدافعًا عن «المذهب الطبيعي» في الاوبرا مع الموسيقى التي تخدم العمل الدرامي، والذي فيما بعد، طوره كريستوف غلوك (1714-1787)، الذي تنقل وعمل في فيينا وباريس. 

وبخلاف الاعمال الدينية هناك من الاعمال الدنيوية لباخ وهيندل، حيث وصل انجلترا في سنة تأسيس دار الاوبرا في لندن. وأثرى الموسيقار هايدن عالم السيمفونيات، حيث كتب 104 سميفونية و52 سوناتا للبيانو والعديد من الاوبريت وموسيقى الكورال والرباعيات الوترية، فيما كان الصبي موزارت (موتسارت) بأعماله «زواج الفيجارو» (1786) و«دون جيوفاني» (1787) و «الناي السحري» (1791) كلها طبعت بطابعها عصر التنوير. ولم يكن الفن التشكيلي بعيدًا عن فضاء ذلك التفاعل الثقافي والاجتماعي لعصر التنوير في انجلترا وايطاليا وفرنسا واسبانيا والمانيا وهولندا، ففي هذا العصر ولد مصطلح علم الجمال أو (الاستاطيقا) فيما كتب المفكر الايرلندي «إدموند بيرك» بحثًا بعنوان «بحث فلسفي في أصل افكارنا عن الجليل والجميل» (1756) بينما الفيلسوف ايمانويل كانط قام بعرض تحليلي للجليل والجميل في كتابه «نقد ملكة الحكم» عام 1790. 

وتحررت المرأة من قيود ظلام الاقطاعية والاستبداد لتساهم في عصر التنوير، ففي البداية كن النساء مستبعدات من النوادي ومقاهي البيوت الانجليزية تقريبا، رغم أن الغواني لم يكن بعيدات تمامًا، اما في فرنسا فقد كانت أماكن اللقاءات الرئيسية هي «الصالونات» (والصالون بيت مفتوح أمام جذب المناقشات العقلية، كما كان يسمح ايضا بالمناقشات الحرة بين الجنسين، وفي العادة كانت تترأسه سيدة تعمل مديرة للصالون)، وقد أشاد ديدرو «بدور النساء كمحاورات أو مستمعات جيدات ساهمن في تشكيل العادات العقلية لهذا العصر. واكتسبن بالتدريج ملكة التعبير التي انتقلت من المناقشة الى اسلوبنا في الكتابة». 

ويواصل ديدرو وجهة نظره الحرة المتطورة بقوله: «عودتنا النساء على أن نجعل الموضوعات الجافة والشائكة واضحة وممتعة ما دمنا نتجه بأحاديثنا اليهن». 

كانت تلك الصالونات تعقد في بيوت فلاسفة التنوير من امثال البارون هولباخ وهلفتيوس، أما جميع صالونات باريس الأخرى، فقد كانت تديرها نساء من امثال مدام دي فند، جيوفرين، دي اسبيناس مدام نيكر، وكان الامر يتطلب قدرًا كبيرًا من المهارة والكياسة والذكاء والثقافة الغزيرة لادارة الصالون بنجاح. وكن السيدات المستنيرات بنشاط وبايجابية ساهمن في اختمار القلق العقلي في ذلك الوقت، فقد كان من بينهن نساء متميزات ومفكرات رائدات، كما هي مدام دي إبيناي والتي سحرت فولتير وديدرو كما فتنت روسو ايضا. 

وكانت المركيزة إميلي دى شاتيليه سيدة ناضجة ومثقفة للغاية، وهي من قامت بترجمة نيوتن للفرنسية كما عملت مع فولتير. في الوقت الذي كانت اوروبا تمور وتتفجر بالاتجاهات والتيارات الجديدة والمفكرين والفلاسفة التنويرين، الذين كتبوا الموسوعة، حيث أخذت ترتاد تلك الافكار النيرة الصالونات والمقاهي والتجمعات الحديثة في العواصم الاوروبية البارزة، فقد كان هناك معارضون بقوة لجماعة الموسوعة من امثال: غيلي فريرون، وشارل باليسو، ويعقوب نيقولا مورو، فقد برزت كتابات ساخرة لاذعة حيث اتهم اليسوعيين الموسوعيين «بالبيلاجية !»* بعد نشر أول مجلدين من الموسوعة وكانوا يحاولون إقناع الملك بمصادرتها، مثلما أبلغ الصحفي فريرو الرقيب الاول ماليشيرب عن ديدرو. 

وقد كان رأس الفتنة لمجموعة كبيرة أخذت تتكاثر وتتسع كل يوم عن طريق الدسائس. 

* (مذهب الراهب بيلاجيوس Pelagius الذي ينكر توارث الخطيئة الاصلية).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها