النسخة الورقية
العدد 11150 السبت 19 أكتوبر 2019 الموافق 19 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

عدوى السعادة

رابط مختصر
العدد 11108 السبت 7 سبتمبر 2019 الموافق 8 محرم 1440

في مدينة الضباب لا ضباب في الصيف، بل غيوم بيضاء وسماء زرقاء صافية وشمس غابت طويلاً فاشتاقوا إليها. تزدحم شوارع لندن الرئيسة بالسياح صيفًا يأتونها من الشرق والغرب، ومن الجنوب والشمال، مدينة ساحرة تستقطب حشودًا هائلة. يستقبلنا الهواء البارد الرقيق فيلطف حواسنا، أتوجه إلى شارع مارليبورن جنوبًا طالبًا استراحة من الضجيج في الشوارع الكبيرة. 

في هذا الشارع يستقبلنا الورد المعلق على أعمدة في الطريق في ارتفاع هابط، في حراسة الورد نسير، أخلع معطفي لكي تدخلني البرودة، بعد مسيرة قصيرة أدخل مقهى (برت) أكثر المقاهي شهرة، وأطلب الشاي الأخضر وبعض الفاكهة. أختار مقعدًا على الشارع أمام المقهى وأتأمل العابرين في جادة هادئة قليلة الزحام، الزحام على مسافة قليلة منا، في شارع أكسفورد قلب العاصمة النابض، العالم بجميع أجناسه ولباسه ولغاته هنا، تحت سمعك وبصرك، بعد استراحة ساعة أقضي نصفها مع قراءة الصحف على الرصيف، تستريح أعضائي المتعبة من المشي الطويل عادة، لا نتوقف كثيرًا في هذه البلدان التي تشبه الحدائق المنسقة المليئة بالأشجار والزهور والخضرة والوجه الحسن. 

على الجانبين المقاهي والمتاجر والناس جالسين على الأرصفة في الهواء الطلق والفضاء المفتوح، بعيدًا عن أسر الجدران داخل المقاهي، الصيف عند الإنجليز هو التحرر من المساحات المغلقة داخل المنازل بعد البرد القارس الطويل المظلم في الشتاء، وعندما يطول بهم الشتاء يتضاعف شوقهم لأنوار الشمس وحرية الفضاء.

 بعد هذه الاستراحة سأذهب إلى (ريجنت ستريت) الذي ينتهي بالدائرة الصاخبة في (لستر سكوير) في البيكادلي، محفل المسارح والسينما والمشارب والمقاهي والمطاعم والازدحام وعازفي الموسيقى في الساحات المفتوحة، شكسبير موجود هنا بين هذه الشوارع، وربما برخت. 

تترد أصداء الموسيقى من مسافة قريبة من عدة جهات في وقت واحد، العازفون يتوزعون في الساحات محاطين بالبشر في شكل دائري، أسمع عزفًا وتريًا أخاذًا يجرني فأتبعه، وعلى بعد خطوات يأتيك شجن الأكورديون لعازف مغترب من المهاجرين، الذين يشكلون ما يقارب نصف سكان المدينة الصاخبة. في البيكادلي تجذبك عروض مختلفة للشباب الهواة، يبرعون في إدهاش السابلة واستقطابهم. يتوقف بعضهم لمشاهدة العروض أو الاستماع إلى الموسيقى والرقص، احتفالات عفوية في الشوارع والساحات يقوم بها شبان متحمسون قد يصبحون مشاهير فيما بعد. 

يتنقل الناس في هذا الكرنفال المجاني وفي وجوههم سمات الاستمتاع والابتهاج. في هذه المدينة يصنعون الفرح، يخلقونه خلقًا لكي يستمتعوا بالحياة، يظهر ذلك في أعياد الكرسمس ورأس السنة الميلادية، حيث يبدأون بتزيين المدينة في وقت مبكر استعدادًا للمناسبة، فتمتد الأفراح من نوفمبر إلى نهاية يناير، في كل هذه الأيام تعم الأفراح المدينة على مدار أسابيع، لا تغيب. 

في الصيف لا ينقطع المطر، بدأ رذاذ المطر يداعب وجوهنا، لم أُخرج المظلة التي أستعملها للمطر الشديد فقط. أستمتع بالرذاذ الساقط على جبهتي ورأسي، قطرات بالغة الرهافة، بالغة الرقة، بالغة الهدوء. أنتعش بالبرودة والمطر وأسير بخطى هادئة في طريقي إلى شارع العرب (إدجورد رود)، هنا ما لذَّ وطاب من المطاعم العربية بجميع أنواعها، مقاهٍ يجتمع بها العرب المهاجرون الهاربون من بطش الدكتاتوريات العربية. 

السياح الخليجيون يملؤون الشوارع ويكثرون في هذا الشارع، اللهجات العربية تتعالى في الفضاء والفصحى مكتوبة في واجهات المطاعم. وأنت تعبر الرصيف بقرب المقاهي تداعب أذنك أنغام اللغة العربية التي تحملك إلى ربوعك البعيدة وكأنك عدت إليها. الشيشة وأكواب الشاي الأحمر والسياسة هي مائدة الكلام، تطاردهم السياسة حيث يذهبون، والهجرة تزيدهم تشبثًا بها، إنه الغضب والألم معًا لمداواة جروح لا تبرأ. 

ما زال المطر رذاذًا، وما زلت أهنأ بالطقس الغائم والحركة في الشارع مستريحًا إلى مشهد العائلات العربية بأطفالهم متجهين جنوبًا إلى شارع (إكسفورد)، أنا في طريقي إلى المطعم العراقي الذي يقدم القوزي والسمك المشوي والرز بجميع أنواعه، وإذا اشتقنا للمجبوس سنتجه إلى مطعم صويلح الكويتي في نهاية الشارع الطويل الذي تقطعه في ثلث ساعة. 

المطر يبهجني، لي رغبة في التحليق، أثيرًا، ذائبًا في الكون أصير، والروح تجنح إلى الخفة. بين حزن وآخر نتنقل عابرين الزمن وأقداره. تبدو الحياة رائعة بنعمة النسيان، وأردد نغمات ناظم حكمت: الحياة جميلة يا صاحبي، كيف يكون هذا الاحتفاء بالحياة لشاعر عاش مسجونًا ومنفيًا نصف عمره، وخرج منفيًا، وعاد رمادًا؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها