النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11523 الأحد 25 أكتوبر 2020 الموافق 8 ربيع الأول 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

جاذبية الأفكار الإنسانية 4 /‏ 10

رابط مختصر
العدد 11106 الخميس 5 سبتمبر 2019 الموافق 6 محرم 1440

ازدهرت في عصر التنوير فنون ومجالات إبداعية عديدة، حيث انفتحت مساحات واسعة للعقل والابداع الانساني، فلم تكن وحدها الفلسفة هي المنهل الوحيد والغذاء الروحي في المجتمع، ولكن يبقى من الضروري تقديم لمحة خاطفة على اولئك الفلاسفة الذين توارثوا الواحد تلو الآخر من نتاجاتهم وكتاباتهم، فقد كانت قارة اوروبا تستيقظ من سباتها وكبوتها، والتي تعرضت لها من سطوة الاقطاع وعلاقة الكنيسة ورجال الدين بتلك الطبقة الفجة القاسية، بعد ان كانت اوروبا مركزًا قديمًا للعقل والفلسفة في حضارة روما وأثينا تجاورها حضارة الاندلس منذ القرن الثامن حتى القرن الثالث عشر. 

تولد الأفكار العظمى في عصر الثورات فتلك الحاضنة والبيئة الطبيعية لها، فقد كانت يومها باريس ولندن العاصمتان العالميتان، حيث ملامح القوة التجارية الانجليزية تنمو على سطح المسرح العالمي، ففي النصف الاول من القرن الثامن عشر مرت البلاد بثورة «زراعية» فيما النصف الثاني من القرن برزت الثورة الصناعية، ففي عام 1776 فرز العصر ملامح بروز ثورة ضد انجلترا في مستعمراتها الأمريكية، وبعد ما يقرب من العقد اي عام 1789 اندلعت اانتفاضة الثورة الفرنسية، حيث أدت شرارتها الى تغيير كل شيء، تلك الثورات في البلدين وضع مبادئ عصر التنوير «موضع التطبيق العملي». 

هذه العلاقة بين الثورات وأفكار عصر التنوير ارتبطت دون شك بالشخصيات التي انتجتها في زمنها المتلاطم، فانتشرت في باريس ولندن وعواصم اوربية النوادي الاجتماعية والمقاهي والصحافة وبرزت خلال ذلك القرن أسماء وأعلام ساطعة من نوع مونتسكيو وفولتير، وديدرو وروسو وبوفون، كوندياك وتورجو، وكوندورسيه وهولباخ، ومورليه وهلفتيوس، وجريم ورينال. هؤلاء كان جزء منهم رواد في حلقة الفلاسفة الفرنسية. وكما يشار عن هذه التجمع المتنوع معرفيا افرز نخبة عصر التنوير أو صفوة من المفكرين، فها هنا كان الجناح المكافح في عصر التنوير يتركز على: «التفكير، والكتابة، والمناظرة، والمنازلة بين بعضهم البعض وبين العالم، ويخلقون جو المناقشات والمنازعات والافكار، والنضال والصراع»، وكان من بين هؤلاء اشخاصا جاؤوا من قاع المجتمع كما هو ديدرو فوالده كان صانع مسامير فيما «الكونت بوفون وهلفتيوس» ينتميان لشريحة عليا. دون شك ان غالبية المثقفين والادباء كانوا ينتمون للطبقة الوسطى الجديدة، والتي منحت تلك العصور مجدها السياسي والاقتصادي في المدن الاوروبية. 

وجدنا اهتمام الفلاسفة التنويرين لا ينحصر في مجال محدد من المعرفة فقد كان اهتمامهم للادب والثقافة اهتمامًا عاليًا الى جانب مجالات معرفية متنوعة. لم تكن في ذلك الوقت توجد فواصل وحواجز تمنع من تنوع اهتمام فلاسفة التنوير بها فوجدناهم منشغلين ومهتمين بأكثر من مجال وحقل. هذا الجانب والتفكير الموسوعي شّكل طابع تلك المرحلة التاريخية. 

وهناك من الروايات التي يتم تصنيفها بروايات عصر التنوير كاعمال دانيل ديفو بروايته الشهيرة (روبنسون كروزو)، صموئيل ريتشادسن (باميلا أو جزاء الفضيلة)، هنري فيلدنج (شاميلا)، الروائي الاسكتلندي طوبياس سمولت وروايات المغامرات، وصموئيل جونسون وروايات بنزعاته الاخلاقية، وفولتير ورواية (كانديد)، مونتسكيو و(الرسائل الفارسية)، ديدرو (الراهبة)، فكانت مضامين تلك الاعمال تنحصر في القصص الخيالية والرومانسية المحبطة والمغامرات وادب الحس الرفيع أو رقة المشاعر، وأدب ينحصر في المغامرات والرسائل ومواضيع الفضيلة. 

هذا السرد الأدبي وتنوعه النقدي والساخر، ترك أثاره على مفكري وفلاسفة النزعة الاشتراكية الطوباوية، كما هي رواية روبنسون كروزو للروائي ديفو (1660-1731)، حيث بدأت تبرز ظاهرة الاحتراف الكتابي كنوع من مصادر العيش والكسب. كما عالجت روايات عصر التنوير باسالبيها المتنوعة الرومانسية، فقد قال بوفون أحد كبار فلاسفة التنوير (كاتب وعالم طبيعة فرنسي) كتب أشهر أعماله «التاريخ الطبيعي العام والخاص» وهو عمل يقع في ستة وثلاثين مجلدًا فكتب حول نظراته في الأساليب الأدبية قائلاً: «إن الاسلوب مرآة عقل المرء». ولم تخلُ روايات هذا العصر التنويري من روايات تعرضت الى «ذكريات امرأة المتعة» لجون كيلاندر وقصص الإغواء والفجور كما هي قصة الماركيز دي ساد وهي تعبير مفصل من السادية الجنسية تذكرنا بقصته ايضا «جوستين أو سوء حظ الفضيلة». وبرغم ما شهده القرن من تنوير وتقدم وازدهار ظلت حتى الاعمال الروائية تحت المراقبة والحصار والمطاردة مما اقتضي مونتسكيو وفولتير المراوغة والهروب من سطوة افكار السلطة الفرنسية المناهضة فنشر فولتير روايته «كانديد» في باريس وجنيف ولندن وبروكسل في وقت واحد ليجعل الرقابة عليها مستحيلة. 

بين سحابات الظلمة وافق النور كانت الافكار الانسانية الكبرى تشق طريقها للتقدم والصراع والانفجار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها