النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

أصحاب السعادة السفراء

رابط مختصر
العدد 11104 الثلاثاء 3 سبتمبر 2019 الموافق 4 محرم 1440

السفارة هي بعثة دبلوماسية تقيمها دولة ما في دولة أخرى بعد الاتفاق المتبادل بين الدولتين، وهي دليل على وجود اعتراف وعلاقات دبلوماسية تتم من خلال حفل استقبال رئيس الدولة المضيفة للسفير واستلام أوراق اعتماده الموقعة من رئيس بلاده؛ بهدف تمثيل الدولة خارج حدودها والدفاع عن مصالحها وتسهيل أعمال وشؤون مواطنيها المقيمين في الدولة المضيفة، والعمل على تنمية سبل التعاون، ونقل وجهات النظر عن طريق السفير المقيم أو المبعوث المُرسل عندما تكون للموضوع أهمية خاصة أو سرية بالغة، وعادةً ما يقع مبنى السفارة في عاصمة الدولة المضيفة، وتطلق كلمة (سفارة) أحياناً للإشارة إلى مقر سكن السفير، وتعتبر السفارة أو منزل السفير جزءاً من التراب الوطني للدولة الموفدة، حيث لا يمكن لأيّ فرد من الدولة المضيفة الدخول إلى مقر السفارة دون إذن من الدولة الموفدة، ولا تملك السلطات الأمنية في الدولة المضيفة حق تفتيش السفارة أو التدخل بها، وأيّ مخالفة لذلك تعتبر تعدياً على سيادة الدولة الموفدة.

وعندما نتحدث عن سفارات مملكة البحرين في الخارج واعترافات الدول بالبحرين كدولة مستقلة ذات سيادة، عام 1971 استذكر دولة الكويت الشقيقة التي كان لها دور بارز في إنشاء قاعدة من الكوادر الدبلوماسية البحرينية في تلك الفترة المبكرة، وذلك نتيجة للخطوة التي اتخذها سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء (وزير الخارجية آنذاك) بالتنسيق مع صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت (وزير الخارجية آنذاك) -واللذين تجمعهما صداقة عُمُر حتى الآن- ودور الخبرات السياسية والدبلوماسية الكويتية في بناء كوادر وزارة الخارجية البحرينية، حيث استقبلت وزارة الخارجية الكويتية عدداً من الدبلوماسيين البحرينيين في المعهد الدبلوماسي الكويتي (أمثال المرحوم الشيخ عبدالرحمن بن فارس آل خليفة وعلي المحروس وغازي محمد القصيبي وإبراهيم علي إبراهيم وكريم إبراهيم الشكر وعادل يوسف العياضي والمرحوم نبيل إبراهيم قمبر) لتلقّي علوم السياسة والدبلوماسية وكيفية إدارة المفاوضات وبحث ودراسة الاتفاقيات القنصلية والقانونية، كما عمل عدد من الدبلوماسيين البحرينيين في بعض البعثات الكويتية بالخارج كجزء من برنامج التدريب الدبلوماسي العملي في جامعة الدول العربية بالقاهرة والأمم المتحدة في نيويورك قبيل فترة قصيرة من فتح البحرين لبعثاتها وسفاراتها في الخارج.

ثم توالت دفعات الدبلوماسيين الذين قادوا وأسسوا العمل القنصلي والإداري في وزارة الخارجية (منهم المرحوم عيسى محمد الجامع ومحمد عبدالله خليفة ويوسف عبدالله خليفة وسلمان عبدالوهاب الصباغ)، وجميع هذه الشخصيات الكريمة تم تعيينهم سفراء للبحرين في الخارج في فترات لاحقة من تاريخ العمل الدبلوماسي والسياسي البحريني، وكانت لهم أدوار مهمة في تعزيز علاقات الصداقة بين البحرين والدول التي عملوا بها، ولعل أبرزهم هو المرحوم عيسى محمد الجامع الذي كان له دور مهم جداً خلال الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت عام (1990م) لما قدَّمه من تسهيلات للمواطنين الكويتين في تلك الفترة السوداء من التاريخ العربي عندما غزت قوات الغدر والخيانة دولة العز والكرامة والإباء.

كما كان للمرأة البحرينية دور مهم في ترسيخ أُسس العمل الدبلوماسي فكانت لها جهود مهمة ومقدَّرة في تعزيز علاقات البحرين بالدول التي اعتُمدت فيها، ومن أبرز الأسماء الدبلوماسية النسائية الشيخة هيا بنت راشد آل خليفة سفيرة البحرين في الجمهورية الفرنسية في الفترة (من 1999م حتى 2004م)، وتعتبر أول سفيرة بحرينية وثالث امرأة يتم اختيارها رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها (61) عام (2006م).

وعلى مدى تاريخ الدبلوماسية البحرينية تولَّى سفراء البحرين العديد من المهام الكبيرة في الدول التي عملوا بها، كمساهتهم في بناء العلاقات القوية معها وتعزيز التحالفات القائمة على المصالح المشتركة، وخدمة المواطن البحريني وحماية مصالحه، والدفاع عن مملكة البحرين وحمايتها من الاستهداف.

إلا أنه بعد الأحداث المؤسفة التي شهدتها مملكة البحرين في (فبراير 2011م) برزت مهمة السفير البحريني لتصبح أكثر أهمية ولها من الضرورة ما لها لحفظ صورة مملكة البحرين من التشويه المتعمَّد، بالحرص على التواصل مع الجهات الرسمية وغير الرسمية ووسائل الإعلام والكتّاب والصحفيين في الدولة المقيم بها لنقل المعلومة الصحيحة المستندة على الحقائق والأدلة والبراهين، وهو ما يتطلَّب الكثير من الجهد والعمل والتواصل مع مختلف الجهات والاطّلاع على كافة التطورات على الساحة السياسية المحلية والإقليمية والدولية لما صاحب تلك الفترة من ضغوطات موجة الربيع العربي التي حاولت إيران وبعض الدول الإقليمية استغلالها لتحقيق غاياتها الخبيثة وأهدافها غير المشروعة، عبر ممارسة ضغوط هائلة على مملكة البحرين وتدخلات مؤسفة من دولة خليجية شقيقة ودول صديقة قامت بدعم الإرهابيين بالمال السياسي والتدريب، وتأجيج العنف الطائفي لقلب النظام في البحرين الذي حمته الإرادة الوطنية التي التفَّت حول القيادة الشرعية، وأكَّدت للعالم أن (المعارضة الطائفية) لا يمكن أن تحقّق أهدافها في ظل وجود (معارضة وطنية) وقفت مع التغيير والإصلاح في إطار المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المفدى.

وأروع مثال للسفير البحريني الناجح هو معالي السفير الشيخ فواز بن محمد آل خليفة سفير مملكة البحرين لدى المملكة المتحدة، الذي يقوم بعمل جبَّار وجهد متواصل منذ تعيينه في هذا المنصب المهم في (مايو 2015م)، والذي تلقَّى مؤخراً رسالة شكر من معالي السيد دومينيك راب وزير الخارجية البريطاني بمناسبة تهنئته لتوليه حقيبة وزارة الخارجية في الحكومة البريطانية الجديدة وأعرب في خطابه عن اعتزازه بعلاقات الصداقة التاريخية والمزدهرة بين البلدين والممتدة لأكثر من مائتي عام، وامتنان المملكة المتحدة لما قدَّمته البحرين من دعم كبير لأمن المنطقة عبر منشأة الإسناد البحري البريطاني التي تمّ افتتاحها في (أبريل 2018م) في الجفير وفتحت فصلاً جديدًا في التعاون العسكري الثنائي بين مملكة البحرين والمملكة المتحدة وكان لها دور مهم وفعَّال في نجاح عمليات حماية الأمن الإقليمي البحري، كما أكَّد الوزير على دعم المملكة المتحدة التام لأمن المنطقة ومملكة البحرين خاصة، وعلى دعمها لمساعي مملكة البحرين الرامية لتحقيق أجندات التطوير والتنمية الوطنية بكافة صورها بما فيها حقوق الإنسان والتي يتم السعي لتحقيقها عبر تنفيذ برنامج عمل الحكومة للسنوات (2019م – 2022م).

وفي مضامين خطاب وزير الخارجية البريطاني شهادة من دولة عظمى تدافع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، وتأكيد على سقوط الأقنعة التي حاولت استغلال مساحة الحرية التي تقدمها بريطانيا على أراضيها للإضرار بالعلاقات البحرينية البريطانية، وكان آخرها استغلال مبني السفارة في (يوليو 2019م) لنقل صور مشوهة وأخبار زائفة عن البحرين، فكانت لجهود الشيخ فواز بن محمد آل خليفة ودبلوماسيته الهادئة وخبرته وصبره في التعامل مع تلك الأحداث الإعلامية المفبركة دورها الواضح في كسب الإعلام البريطاني والجمعيات والشخصيات الحقوقية البريطانية المؤثرة، مما انعكس أثره على تعزيز علاقات الصداقة التاريخية بين البلدين، واعتراف بريطانيا الصريح بأنها تتطلَّع لتعاون أكبر مع العالم لتنفيذ رؤيتها للخروج من الاتحاد الأوروبي وستعتمد على دعم الدول الصديقة وبخاصة البحرين للوصول لهذه الغاية.

ومن السفراء الذين كانت لهم بصمات واضحة في تعزيز علاقات البحرين الأخوية، معالي السفير الشيخ راشد بن عبدالرحمن آل خليفة سفير مملكة البحرين لدى جمهورية مصر العربية الذي جسَّد الصورة الجميلة للبحرين وشعبها وعمل بتميّز وتفانٍ، وبذل جهوداً جبَّارة خلال الأحداث المؤسفة التي شهدتها البحرين لضمان دعم أكبر دولة عربية أمام موجة الربيع العربي التي اجتاحت الوطن العربي وسط متغييرات حادة وصراعات مصيرية شهدتها مصر العروبة وأدت إلى وصول الإخوان المسلمين لسدّة الحكم، وانتهت بعودة مصر إلى شقيقاتها الدول العربية بقيادة الرئيس محمد عبدالفتاح السيسي.

كما أن للدكتورة بهية جواد الجشي سفيرة مملكة البحرين لدى (مملكة بلجيكا والاتحاد الأوروبي ودوقية لكسمبورج) دوراً ملحوظاً في تطوير علاقات البحرين بمملكة بلجيكا وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البحرين والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بعد تراجع العلاقات بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي بسبب الفشل في التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة، وهذا ما لمستهُ خلال زياراتي الخاصة والمتكررة التي أقوم بها إلى مملكة بلجيكا، حيث وجدتُ أن السفيرة الجشي تركز في عملها على تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع مملكة بلجيكا وإيجاد توازن في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ظل بروز قوى اقتصادية صاعدة في المنطقة كالصين، أو بروز قوى ذات مصالح سياسية مثل روسيا، أو قوى تسعى للقيام بدور في المنطقة مثل تركيا وإيران، وذلك بتصحيح الصورة المتعلقة بقضايا حقوق الإنسان والتعددية وحرية الرأي والتعبير وفتح آفاق جديدة للتعاون الثنائي بالاستفادة من برامج الاتحاد الأوروبي المختلفة تحقيقاً للمصالح المشتركة.

إن الانجازات والنجاحات المتميزة التي حققتها الدبلوماسية البحرينية على مدى تاريخها الطويل ما كانت لتتحقَّق لولا الدعم والمساندة التي لقيتها من قبل القيادة الرشيدة، ولولا وجود شخصيات سياسية ودبلوماسية بارزة قادت العمل السياسي والدبلوماسي كسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس مجلس الوزراء (شيخ الدبلوماسية العربية)، ومعالي الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة وزير الخارجية، بكل كفاءة واقتدار وتحمَّل مسؤوليات جسام في فترات حساسة من تاريخ مملكة البحرين الحديث، ولا تسع مساحة المقال للإشارة إلى بقية الزملاء والزميلات السفراء والسفيرات جميعاً فليعذروني، ولهم كل المودة والتقدير والاحترام والشكر الجزيل لدورهم الكبير في تمثيل بلدهم البحرين خير تمثيل من مواقع عملهم المختلفة في كافة أقطار العالم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها