النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

النهام أحمد بوطبنية المحرق حين تتحدث عن رجالها

رابط مختصر
العدد 11103 الإثنين 2 سبتمبر 2019 الموافق 3 محرم 1440

حين تُذكر فنون البحر يلمع في سماء البحرين والخليج العربي نجمين من الطراز الاول، أحمد جاسم بوطبنية وزميله سالم العلان، وقد تميز الاثنان بفن الصوت ويعرف (الفجري)، وهي مواويل البحر وصيد اللؤلؤ وآلام البعد عن الأهل والأولاد، وكان هذا الفن يمارس على ظهر السفن في الهيرات وخاصة في أول المساء حين يشتغل البحارة بعملية فلق المحار واستخراج اللؤلؤ، وكذلك آخر الليل حين يخلد الجميع إلى مخدعة للنوم، فينشد النهامة (جمع نهام) المواويل الحزينة التي تصدح في ظلمات الليل وسكون البحر، وترافقها آهات البحارة الذين يعيشون لحظتها فراق الأهل وغربة الديار ويأملون من الرحمن الرزق الوفير!

وقد استمر فن (الفجري) على ظهر السفن حتى افتتح البعض دوراً شعبية يتجمع فيها البحارة في فترة ما بعد رحلة الغوص (من أكتوبر إلى أبريل) للمشاركة في هذا الفن البحري الراقي الذي يصور البحار وهو في رحلته السنوية، وقد تميز بعض البحارة بأصوات بحرية جميلة طربت لها الاذان، وارتاحت لها النفوس، ومن أولئك الذين تميزوا بهذا الفن النهام أحمد بن جاسم بوطبنية ورفيق دربه سالم العلان (سيفرد له موضوع خاص)، وقد كتب البعض عن النهام بوطبنية في مسيرته الفنية، ولكن هناك حياة أخرى للنهام بوطبنية يجب أن يطلع عليه القارئ ويرى صور العمل والحب والعطاء والتضحية.

كان للنهام أحمد بوطبنية دكان صغير ويطلق عليه كذلك الصندقة (محلاً خشبياً) في سوق المحرق - حالياً موقع بنك البحرين الوطني - بالقرب من محل بوخلف للقصابة، بداية شارع الشيخ حمد، يجلس فيه على فترتين، صباحاً حتى صلاة الظهر، ومن بعد صلاة العصر الى المغرب، وأبرز الأشياء التي يبيعها قوالب الثلج، فيبيع على السفن الراسية بالقرب من نقطة خفر السواحل عند جسر الشيخ حمد (تم تدشينه في عام 1941م)، فكان يشتري قوالب الثلج من المصنع ويحمله على كتفه بعد أن يضع قطعة الخيش، وإذا وصل الى محله وضع الثلج وقام بتغطيته بقطع الخيش حتى لا يذوب، ومن ثم يبيع السفن الصغيرة نص قالب أو ربع قالب -حسب الطلب- وينقله بنفسه الى السيف، حيث السفن، وكان يلبس في قدميه نعال وأحياناً حافي القدمين، وكان يبيع بالاضافة الى الثلج المرطبات الغازية والسجائر بأنواعها والكبريت والعلكة (الخنينية)، وكان من أبرز رواده موظفو خفر السواحل بحكم قربه منهم.

وكان يساعد النهام بوطبنية في مسك الدفاتر والأمور المحاسبية ابن اخته محمد جاسم حمادة (رئيس الاتحاد العربي لكرة الطائرة) وكان حينها يافعاً، فهو المحاسب في الصندقة (الدكان)، ولديه دفتر حسابات يسجل فيه المبيعات النقدية، وكذلك يدون حسابات المحلات المجاورة، ويقوم كذلك بدفع المطالبات المالية لمصنع الثلج والقراشية وغيرها من المحلات، ويذكر حفيد النهام بوطبنية (جاسم علي بوطبنية صاحب مجلس بوطبنية بمنطقة عراد) بأن مردود المبيعات كانت كبيرة وفيها خير وبركة، حيث كان النهام بوطبنية يرعى أبناءه وأبناء خواته من بن حمادة والبصري.

من صندقة إلى مجلس أهلي

لم يكن دكان النهام بوطبنية محلاً للبيع والترزق فقط ولكنه كان مجلساً عاماً لأهل المنطقة، بل هو أشبه بجامعة أهلية يلتقي فيه الجميع ويتزودوا بالعلم والمعرفة واكتساب الخبرات، فكان الحضور من جميع أطياف المجتمع البحريني وذلك لما يملكه بوطبنية من كريزما جميلة، فكان محله مكاناً لالتقاء التجار والمثقفين واللاعبين وأهل الفن من البحرين والكويت كالفنان معيوف والفنان المجلي والفنان العميري والفنان بن حسين والفنان صالح العريبي والممثلين مثل سعد الفرج وغيرهم.

وكانت الصندقة كذلك مكاناً لتجمع البحارة الذين يستعان بهم في عملية إنزال السفن الخشبية الكبيرة الى البحر، سواء السفن الجديدة أو تلك التي تعرضت لعملية الصيانة الدورية، وإنزال السفن يطلق عليها (اليرار) وهي عملية جر السفينة وإنزالها في البحر، فيتم إشعار البحارة عن طريق النهام بوطبنية عن موعد الانزال (اليوم والوقت) والذي بدوره يخبرهم ويحفد عليهم بالحضور من باب (الفزعة) المعروفة في البحرين، وفي الغالب تكون عملية إنزال السفن في فترة المساء حيث يعتدل الجو ويكون الكثير من الناس متواجدين، فيحملون معهم (الخيش) لوضعها على الأكتاف قبل الإمساك بالحبال المربوطة بالسفينة، وفي الصندقة كان يتواجد فيها قرابة الأربعين رجلاً يومياً.

ومن الأشخاص الذي اعتاد زيارة البحارة في صندقة بوطبنية السيد حسن بن صالح الرويعي الذي يأتي من الرفاع ليدعو دار جناع وروادها للمشاركة في فن الفجري، وهو الفن المحبب لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة -ولياً للعهد آنذاك-، وكان هناك كذلك اهتمام كبير للنهام بوطبنية وصديقه العلان من قبل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة حاكم البلاد السابق -رحمه الله-، حيث أمر براتب شهري لبوطبنية والعلان، وكذلك وزارة الاعلام قد صرفت لهما راتباً شهرياً تقديراً لدورهما في الحفاظ على الموروث الشعبي.

مكانته في الدور الشعبية

وقد شارك النهام بوطبنية فرقة البحرين للفنون الشعبية بقيادة راشد المعاودة وعيسى جاسم وأحمد الفردان الذين مثلوا البحرين في الدينمارك وفرنسا، وكان هناك اهتمام خاص من قبل الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة بالفن البحري (الفجري)، وكان يستقبلهم في مكتبه ليثني عليهم وعلى دورهم الذي يقومون به.

وكان النهام بوطبنية يشارك في فنون العرضة والليوه والجربة كذلك، فيرى في دار علي بن صقر ودار مسعد ودار بن حربان ودار جناع، وكان يشارك في حفلات زواج أبناء العائلة المالكة، وحين تم تطوير سوق المحرق وتوسعة الشارع تم نقله مع أصدقائه الذين يجتمعون معه يومياً بعد أن تم تخصيص مكان جديد للصندقة في محطة النقل العام وذلك في فترة ترؤس سمو الشيخ علي بن خليفة بن سلمان آل خليفة وزارة الموصلات، ولا يزال المكان موجوداً، حيث يجتمع رفقاء الدرب ويتناولون الشاي والقهوة ويتجاذبون أطراف الحديث وذكريات زمن الطيبين.

صندقة بوطبنية لعبت دورًا كبيرًا في إيصال الرسائل البريدية، فقد كانت مكاناً لاستلام الرسائل من إدارة البريد ومن ثم القيام بتوزيعها على أصحابها بالصندقة أو لمعارفهم فيقومون بتوصيلها، سواء كانت رسائل تجارية أو علاجية أو سياحة أو للزواج، خاصة أولئك الذين لهم علاقة بالهند، وكان أهل الخير من دول الخليج يأتون الى صندقة بوطبنية لتوصيل الصدقات، فيتم تسليم بوطبنية مبالغ الزكوات لتوصيلها لمستحقيها، والنساء كذلك يقصدن الصندقة حال رحلة التسوق بالمحرق، فيضعون حاجياتهن عند النهام بوطبنية حتى تأتيهن سيارات النقل أو الأجرة لتنقلهن الى مساكنهن. 

وكانت لديه بالمحل قطة جميلة يحبها كحب أبنائه، فيفرح لفرحها ويحزن اذا ما أصابها مكروه، وكانت القطة تستقبله في منتصف الطريق وهو قادم من سكنه بحالة بوماهر، فتقف له عند محل عبدالله فخرو ومن ثم تمشي معه الى محله عبر ممر ضيق بالسوق ماراً على قهوة بوخلف وحلوى حسين شويطر، وكان يوفر لها وجبة الأكل من السمك الذي يشتريه لأسرته، لذا كانت هناك علاقة حميمية بين القطة والنهام بوطبنية.

وتقديرًا لدوره الوطني تم تسمية شارع بالمحرق باسمه (شارع النهام أحمد بن جاسم بوطبنية)، ولازال تاريخ المحرق يتحدث عن رجال تركوا لهم بصمات صادقة على السواحل وفي الفرجان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها