النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

الأخلاق في عصر التكنولوجيا

رابط مختصر
العدد 11101 السبت 31 أغسطس 2019 الموافق 30 ذو الحجة 1440

تقدم البشر في العلم والتكنولوجيا في الثلاثة عقود الأخيرة إلى درجة مذهلة، لكنهم لم يتقدموا في السلوك الأخلاقي بدرجة موازية، ما يثير هذا السؤال الجوهري أن عدم التوازن بين الجانب الأخلاقي والجانب التكنولوجي يخلق إشكالية قد تكون مدمرة ولا تقف عند حد في المستقبل القريب أو البعيد، وهذا ما يثير القلق عند بعض الدارسين، علماً بأن هذا التقدم سيتضاعف في السنوات القادمة، فماذا سيحدث بعد إحلال الروبوت ليقوم بأعمال كثيرة بدل الإنسان؟ بالحتم ستزداد البطالة إذا لم يتحل أرباب العمل بالأخلاق ليفضلوا البشر على الإنسان الآلي، هل سيفعلون ذلك؟ أشك في ذلك. 

من جانب آخر لا يخفى علينا ما وفرته التكنولوجيا للدمار الشامل في السلاح بسبب هذا التطور، فيما يبدو أن المنطق الأخلاقي غير سائد في العالم، خصوصاً عند البلدان الأكثر تقدماً في هذا المجال، وهذا ما يعرض حياة البشر للخطورة في المواجهات العسكرية التي تطل علينا بين وقت وآخر، في ظل تنامي سياسات المصلحة الذاتيه، ويكفينا أن نراقب سلوك الولايات المتحدة وروسيا والصين ودول الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، فيما يخص مصالحها، فالرئيس الأمريكي فاز في الانتخابات تحت شعار أمريكا أولاً، ووضع المصلحة الذاتية في الأولوية بشكل مبالغ فيه، فهو لم يتراجع عن قرار فصل أطفال اللاجئين الفقراء القادمين من أمريكا اللاتينية عن آبائهم، إلا في الساعات الأخيرة تحت ضغوط دولة المؤسسات في بلاده والرأي العام العالمي، وهو يتغاضى عن قتل اليهود للفلسطينين. علما بأن شعارالرئيس الأمريكي يعم وينتشر في الغرب، وإن كانت بعض الدول الغربية لا تظهر هذا التوجه بشكل فاضح، إلا أن سلوكها ومواقفها السياسية تدل عليه. 

وشعار نحن أولاً حمل فكتور أوربان وحزبه إلى رئاسة الوزارة والحكم في هنغاريا، وهو يميني متطرف، وفي ايطاليا وألمانيا يتضاعف أنصار هذا الشعار (اليمين الشعبوي المتطرف) الذي وصل إلى مواقع حساسة في البرلمان والحكومة، ونستطيع أن نضم الرئيس الروسي إلى هذه الزمرة الخطرة، فهو يدمر حياة الشعب السوري بطائراته ويقتل عشرات الآلاف ويشرد الملايين من أجل مصلحة روسيا الاقتصادية، ويقول في تبريره لهذا السلوك أنه يدافع عن الشرعية، وهو يعرف أن النظام السوري غير شرعي. 

تبدوهذه الحقائق مقلقة، ويبدو العالم مخيفاً. والتكنولوجيا أنتجت أسلحة تكفي لتدمير كل العالم، وهناك المزيد في السنوات القادمة، وهذه القدرة على التدمير الشامل لم تكن موجودة في زمن الحرب العالمية الأولى والثانية. 

كان الفلاسفة منذ سقراط وأفلاطون حتى جون لوك وبرتراند رسل يتحدثون عن أهمية الأخلاق لتأسيس حياة فاضلة وسعيدة لجميع البشر، ويسعون إلى الجمع بين المواطنة القومية والمواطنة العالمية. عندما سُئل سقراط، من أين جئت قال جئت من العالم. الفيلسوف الإنجليزي جون لوك والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو وبرتراند رسل، لم يتحدثوا عن أهمية الفضائل الأخلاقية في بلدانهم بل كانت أفكارهم تعني جميع البشر. 

النزعة الإنسانية حية وحاضرة بشدة في كتابات الفلاسفة والمفكرين، الذين أسسوا الحضارة الحديثة، واهتمامهم كان ولا زال ينصب على حياة الإنسان في كل مكان، لذا فثقافة الإنسان وحقوقه في العدل والحرية والمساواة والأخاء، كانت أفكارًا عامة أراد هؤلاء المصلحون نشرها ليسود السلام الاجتماعي داخل البلدان وبين شعوب العالم. كانوا يتحدثون عن نظام كوني يحافظ على التناغم الذي يجب أن يسود بين البشر. على هذا الأساس الأخلاقي الذي رسمته أفكارهم تأسست الأمم المتحدة، المنظمة العالمية الأكبر في العالم في العام 1945، بهدف تقارب الأمم والشعوب، وسيادة السلام وتعميق صلات الإخوة بينهم. فكرة الأمم المتحدة هي فكرة أخلاقية بالدرجة الأولى، كونها نهضت على أساس تقارب البشر واتحادهم، والتزامهم بمبادئ الاستقلال والتعاون وتنفيذ حقوق الإنسان، ونبذ الصدامات والحروب. 

هل استطاعت الأمم المتحدة تحقيق هذه الأهداف والروابط الأخلاقية؟ كان ممكنا أن يتحقق هذا الهدف لو سادت النوازع الأخلاقية فوق المصالح الاقتصادية. 

المال لا زال منتصرًا على الأخلاق، والعالم يرزح على ركام من التناقضات وتضارب المصالح والتفكك وشفير الحروب وجحيمها. ولا يمكن توقيف هذا الجنون الذي يسعى إليه بعض القادة الشعبويين في الدول العظمى في الوقت الراهن، إلا بإستنهاض الأخلاق، تلك التي تقودنا إلى النظر إلى مصالح الآخرين مع مصالحنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا