النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

صِدامٌ دائم مستديم

رابط مختصر
العدد 11101 السبت 31 أغسطس 2019 الموافق 30 ذو الحجة 1440

لماذا لا يفهم سكان هذه المنطقة من العالم بعضهم البعض رغم أنهم يتحدثون لغة واحدة؟! لماذا تحل لغة النزاع والصدام والغدر والتخوين مكان لغة التفاهم والوئام والإخلاص والثقة؟ لماذا تهدر الموارد على النزاعات بدل توجيهها للتنمية وتحسين خدمات الصحة والتعليم والبنية التحتية ورفع معدلات الرفاهية؟.

أعتقد أن الإجابة على السؤال السابق هي مما يندرج تحت وصف «السهل الممتنع»، فهذا السؤال بقدر ما يبدو بديهي وبسيط، بقدر ما هو شائك معقد، تستند إجابته على كثير من المعطيات، من بينها، وربما أهمها: إرث الماضي.

منذ الأزل يتقاتل الناس في هذه المنطقة يتقاتلون على الزعامة والموارد، على الكلأ والماء للإبل والأغنام والماشية، وقد تكرَّست في نفوسهم مشاعر الكراهية والإلغاء، وطالما سالت دماء بسبب بيت شعر يهجو فيه شاعر قبيلة أخرى، أو بسبب خلاف على فرس كما هو الحال في حرب داحس والغبراء، أو على دم ضائع كما حدث مع امرئ القيس الذي سعى لتحالفات من خارج الحدود طلباً لثأر أبيه.

لا أذكر أن تاريخنا العربي يروي قصة قبيلتين أو جماعتين أو دولتين اتحدتا طوعاً وقناعة، وإنما كانت الوحدة تتم دائماً بالسيف، وبأن يأخذ المنتصر كل شيء، وينهي خصومه عن بكرة أبيهم.

والآن، وبعد مرور كل هذه السنين، لا يبدو لي أننا أدركنا بعد الفرق بين التراث والماضي، فلا زلنا نتمسك بالماضي بكل ما فيه، ونروي قصص جساس والزير سالم وثارات الجاهلية، وقصص الجواري في بلاط السلاطين، وتنازع الملك بالسيف، حتى أن الفيلسوف المصري إمام عبدالفتاح إمام يقول إنه «ما استل سيف في الإسلام كما استل على قاعدة الإمامة في كل زمان ومكان»، بمعنى أن المسلمين الذين قتلوا في الحروب من أجل الزعامة هم أكثر بكثير من المسلمين الذين سقطوا خلال فترة الفتوحات أو الدفاع عن الثغور.

نعلم أولادنا في المدارس عن المروءة والشهامة وإغاثة الملهوف وغيرها من الصفات التي اتصف بها أجدادنا العرب، ونحن محقون في ذلك، ولكن أولادنا عندما يكبرون يقرأون التاريخ من زاوية مختلفة، فيحدث شرخ بين الصورة الذهنية التي رسمناها لهم وبين ما اكتشفوه لاحقاً من معلومات وحقائق.

دعونا إذاً نتصالح مع الماضي كما هو، وندعه جانباً، ثم لا نكترث إلا بالتراث الذي هو تجارب الماضي الثقافية والعلمية والمهنية والإنسانية التي تفيدنا من أجل الارتكاز عليها للانطلاق أسرع نحو المستقبل، لا أن نتقوقع داخلها وننسج عنها الروايات، وتتحول إلى قيد في قدمينا يمنعنا من السير في طريق الحضارة الحديثة والتطور.

الحياة تتطلب أن يكون الإنسان واقعياً في رؤيته وتفكيره، ونحن كعرب لدينا طفرات، لدينا نوابغ، كما هو بقية العالم الناجح، الانسان متفوق بأكثر من كثير منا، الصين ليس لديها أرقام وأعداد فقط، الصين تعلمت من الغرب بظرف سريع جداً، وسبقتهم، وهذا اليوم الخطر الذي تخاف منه.

عندما انهزمت اليابان وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول في الحرب العالمية الثانية اقرت بفشلها، وقررت أنها ستتعامل مع الحياة بطريقة جديدة، بتكفير جديد، وأن تتعلم من الدول التي هزمتها، لذلك سرعان ما عادت هذه الدول لنهضتها وبدأت طريقا جديدا أصبحت فيه عناصر فاعلة في الحضارة والإنسانية، وأرى اليوم أن الياباني أو الألماني أو الإنكليزي أو حتى الهندي لديهم جميعاً إيمان عميق بتراثهم، لكن دون أن يقيدهم ذلك ويعوق قدرتهم على التقدم.

كثير من الدول المتقدمة حالياً لم تتخلَ أو تحارب دين أجدادها، ولكنها تعاملت معه من منطلق حرية شخصية، بل وشجعت وعملت على إحيائه، ولكن برؤية عصرية، والدين الإسلامي الحنيف دين سماوي لكل زمان ومكان، وقابل للتطور لأنه دين يحث على التفكير والتأمل، ويتضمن أدوات لتطويره من ضمنها الفتوى، وعلينا أن نقف بشجاعة لنجعل هذا الدين دافعاً لتطورنا المنشود.

وتحضرني هنا المقولة الشهيرة للإمام أبو حنيفة النعمان «هم رجال ونحن رجال»، وأهميتها في التجديد المستمر للخطاب الديني ومواجهة الجمود، كما كان لنا في فلاسفة مثل الفارابي وابن رشد أمثلة حية على تحدي المألوف والسائد، وعلينا أن ننظر كيف استفادت أوروبا مثلاً من أفكار ابن رشد وأمثاله في بناء نهضتها الحديثة، فيما أحرقنا نحن كتبه!. إن ثوابت الدين لا تحتمل التأويل، ولكن يجب التحذير من أن التشبث في كثير من التفاصيل والمغالاة في الدين ربما تنفِّر الناس.

لست في وراد إصدار فتاوى في هذا الصدد، ولست مؤهَّلاً أصلاً للقيام بذلك، فرجال الدين لهم مكانتهم وتقديرهم، وإن أكبر مجرم هو من أفتى فتوى خاطئة، وأعتقد أن أقسى عقاب من الله تعالى ينتظره، خاصة ونحن نرى الفتاوى المسمومة في بعض الدول التي عصفت فيها الفتن والنزاعات، حيث استباح المسلمون هناك دماء بعضهم البعض بفتوى من شيوخهم الذين يستحضرون قصصاً كاذبة أو غير لائقة من الماضي السحيق لتبرير قراراتهم وتصرفاتهم المشبوهة الهوجاء.

اعتقد أن الإفتاء موضوع شائك جداً وحساس وفي غاية الأهمية في الإسلام، لأن الفتاوى لا تشمل مواضيع الدين والتدين والعبادة فقط، وإنما عادة ما تمتد لتطال جميع تفاصيل حياتنا اليومية وفي تفكيرنا وفي مستقبلنا، من هنا يجب على من يتولى مسؤولية إصدار الفتاوى أن يكون أهلاً لذلك، ومُعتَرفاً بعلمه وعلمه وصدقه وثقافته، وقبل كل ذلك أن يكون قادراً على التشاور مع صانعي المستقبل لتواكب فتواه متطلبات الحداثة، وليس الماضي وشخوصه التي اندثرت.

أرى أن رجل الشارع العادي البسيط يعتقد أن مسؤولية رجال الدين الإسلامي، ورجال الأدب والتاريخ والثقافة، هي إيجاد طريقة نتصالح فيها مع ماضينا كما هو، وننتقي منه فقط ما يلزمنا ويحفزنا للعبور نحو المستقبل، حتى لو كانت عملية الانتقاء تلك مؤلمة ومثيرة للجدل، لكنها ضرورية حتماً من أجل أن تعيش أمتنا في المستقبل وتأخذ مكانتها التي تستحق بين الأمم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها