النسخة الورقية
العدد 11153 الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 الموافق 22 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:38PM
  • المغرب
    5:04PM
  • العشاء
    6:34PM

كتاب الايام

الراحل محمد عواد.. ورشة الطفولة المسرحية الأولى..

رابط مختصر
العدد 11099 الخميس 29 أغسطس 2019 الموافق 28 ذو الحجة 1440

من محاسن صدف الطفولة الناشئة، أن يكون الأستاذ الكبير والفقيد الغالي محمد عواد، عميد المسرح البحريني الذي غادرنا إلى مثواه الأخير، مشرف النشاط المسرحي والمدرب الأول بلا منازع لفنون المسرح في مدرسة مدينة عيسى الإعدادية الثانوية للبنين، حينها كنت في الصف الأول الإعدادي وعمري لم يتجاوز بعد الثلاثة عشر عامًا، وكان ذلك عام 71م، وكانت المدرسة حينها في بواكير زهو افتتاحها وأنشطتها التي حصدت من خلالها المدرسة قصب السبق في الكثير من المسابقات، على كثير من المدارس، من بين هذه المسابقات، ألعاب القوى التي كنت أيضًا أحد أبطال فريقها في العدو والوثب، بجانب الأصدقاء الأبطال، مبارك العطوي وإبراهيم مهنا وحسن علي السبيعي وسعود عبدالعزيز بن عريك ويوسف عبدالعزيز وحسن علي وشاكر عيد وحسن علي وعبدالكريم زيد وعلي يوسف قمبر، وكان قائد إدارة هذه المدرسة آنذاك، الأستاذ مصطفى جعفر رحمه الله، الذي يشجع كل الأنشطة في المدرسة ويتعامل مع المدرسين والطلبة بحنو أبوي فريد.

في هذه المدرسة الحميمة، كنت وبعض الزملاء، نحرص على متابعة ومشاهدة الأنشطة المسرحية التي يشرف عليها هذا الفنان العملاق محمد عواد، ذلك الفنان الطويل القامة المتسق البنية صاحب الملامح السمراء الدقيقة والعين الحادة والحركات والإيماءات الأنيقة المدروسة والمحسوبة، وكانت الفُسَح والمناسبات الوطنية والاجتماعية، هي فرصتنا الحقيقية لإرواء فضولنا المسرحي، وكان بعض زملاء فريق ألعاب القوى بالمدرسة، هم أبطال اسكيتشاته وأنشطته المسرحية، باستثناء الفنان عبدالله السعداوي، وكان هؤلاء الزملاء هم من حفزني على الانخراط في النشاط المسرحي بجانبهم، بعد موافقة أستاذي الكبير عميد المسرح البحريني الراحل الأستاذ الكبير محمد عواد على قبولي ضمن أسرته المسرحية. 

وعن كثب تعرفت على هذا العملاق، محمد عواد، فهو لم يكن فقط مشرفًا ومدربًا لأسرتنا المسرحية المدرسية، إنما هو أيضًا أحد أهم مؤسسي الحركة المسرحية في البحرين، وهو أهم من كتب وأخرج ومثَّل في المسرح البحريني، كونه أولاً، بجانب ولعه بالمسرح، على درجة عالية من الثقافة المسرحية المحلية والخليجية والعربية والعالمية.

لذا كانت تدريباته أشبه بالورشة المسرحية، حيث كان يشرح ويفسر كل شخصية في العمل الذي يتصدى له، ومن أي بيئة استقت هذه الشخصية طبائعها وسلوكها، وكيف يمكن أن تؤدي دورها في هذا الموقف أو ذاك، وكنا جميعًا نصغي إليه بحب كبير وهو يتجسد بحركاته الرشيقة وإيماءاته الأنيقة وصوته المتنوع الانفعالات ووجهه المرن الذي يختزل في قسمات تحولاته شخصيات وانفعالات ومواقف عدة، وكان جسده برشاقته الملحوظة، أشبه بجسد راقص محترف، وقد ظل أستاذنا يتمتع بهذه الأناقة والرشاقة في جسده حتى مع تقادم عمره، وكل مرة أراه في ورش الطلبة التي تنظمها إدارة الخدمات الطلابية حتى وقت قريب، أجزم بأن هذا الأستاذ الفنان لم ولن تطل عمره يومًا عوارض الشيخوخة.

وأذكر أنه كان يلجأ إلى تعريف شخصيات مسرحيته، عبر وسائل الإيضاح التي كنا نرتدي أسماء شخصياتها بالورق المقوى خلف ظهورنا، كالعامل والموظف واللص ورجل المرور... إلخ، وكان يريد من وراء ذلك التعريف ألا ننسى من نحن أثناء التمثيل، وأن نتذكر خطوط مسارات هذه الشخصية التي رسمها أثناء تدريبنا عليها. 

ولم يكن الأستاذ الكبير معنيًا كثيرًا بفذلكة الديكور في العرض أو الاسكتش، كان يقودنا بطريقته الفنية الدبلوماسية إلى تخيل بيئات الشخصيات والعرض عبر أدائنا، وعبر المتوفر من كراسي وطاولات في الصالة، وأذكر أن جمهور المدرسة من الطلاب والأساتذة، كانوا يحرصون على حضور كل أنشطته المسرحية، لأن الأستاذ الكبير كان مشاركًا معنا بحضوره الجميل، وكان يلجأ في كثير من الأحيان إلى الجانب الكاريكاتوري للشخصية، خاصة وأنه كان يدرس الرسم في المدرسة بجانب أخيه فنان الكاريكاتور المعروف، الأستاذ مناحي مرزوق، لذا كانت بعض هذه الخطوط تنعكس أحيانًا في أدائنا للشخصيات التي نتجسدها.

وأذكر أنه أثناء عطل الربيع المدرسية، وفي معسكر الكشفية تحديدًا الذي يقام في منطقة (سافرة) آنذاك، كان الأستاذ الكبير (بو مدعث)، يدربنا على كيفية الرقص على فن (الليوة)، وفن الليوة كما تعرفون يحتل مكانة متميزة في التراث الموسيقي الشعبي في منطقة الخليج العربي، إذ أنه يمثل نموذجًا فريدًا من الأنواع الموسيقية الوافدة التي انتشرت هناك. 

وبالرغم من تكيفها مع البيئة الخليجية خلال ما يزيد على قرن من الزمان إلا أنها ما زالت تحتفظ بسماتها الأفريقية كالإيقاع واستمرارية بعض العبارات السواحلية في نصوصها الغنائية. 

والليوة رقصة جماعية تصاحبها آلات إيقاعية وآلة نفخ رئيسية يطلق عليها في منطقة الخليج اسم «الصرناي» واشتهرت بها البحرين والإمارات وسلطنة عمان وبورسعيد واليمن وخاصة في مدينتي عدن والشحر بحضرموت وربما مدن ساحلية.

وأثناء التدريب، كان يحرص الأستاذ الكبير محمد عواد على ضرورة ضبط الإيقاع في الرقص، ومراقبة الخطوات جيدًا، وانثناءات الجسد ودورانه بانسيابية، وكان يؤكد من خلال هذه الرقصة التي يختبرنا فيها واحدا تلو الآخر، على أهمية استثمار ليونة الجسد ومرونته في المسرح والرقص والحياة، وكان من بين الطلبة المتميزين في هذا الفن الصديق الأستاذ جاسم محمد بن حربان، فقد كان نموذجنا الرئيسي في هذا الفن وفي بقية الفنون الشعبية. 

وكان الأستاذ الكبير يقول أثناء التدريب على هذا الفن: كل هذه الفنون تنفعنا في المسرح، فنحن لدينا موروث شعبي يمكن أن نحوله إلى مسرح، ولعلني تذكرت هذا الكلام بعد عمر طويل، لأكتب بعدها مسرحيتي (ظلالوه) التي كانت تعج بالفنون الشعبية الدرامية تحديدًا. 

هذا الفنان، عميد المسرح البحريني، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، الذي نهل من ثقافات العالم وخاصة إنجلترا أهم الرؤى الخلاقة في المسرح، وأسس على ضوئها مسارح ورؤى جديدة في المسرح، لم يكن أثره عليّ في طفولتي المسرحية فحسب، إنما امتد إلى يومنا هذا، لتعيش ذاكرتنا معه أطفالاً وكبارا، حياً أو ميتاً.. 

لروحه الرحمة والسكينة والطمأنينة والسلام ولأهله ومحبيه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها