النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11250 الإثنين 27 يناير 2020 الموافق 2 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:16PM
  • العشاء
    6:46PM

كتاب الايام

جاذبية الأفكار الإنسانية 2 /‏ 10

رابط مختصر
العدد 11099 الخميس 29 أغسطس 2019 الموافق 28 ذو الحجة 1440

لم تقدم مجتمعات العبودية ولا الاقطاع، أي قبل الثورة البرجوازية العظيمة للبشرية من مبادئ وافكار كبرى، بل ولم تكن تلك الافكار من الاتساع والانتشار بسبب التخلف الاجتماعي والامية وضعف التواصل بين المناطق، ولكننا عثرنا على تلك «النخبة» الفكرية في الفلاسفة ورجال الدين، ولكنهم ظلوا منغلقين على انفسهم بين جدران تلك المعابد والمدارس والبيوت. 

ونتيجة للتقسيم الاجتماعي ودور العمل ستنبعث للوجود الفئة الاجتماعية التي تستعمل ذهنها وعقلها في الانتاج فيما الفئة الثانية سوف تستعمل يدها في تلك العملية الاجتماعية (الإنتاجية)، ومن خلال تلك العملية، سيلعب المحترفين (المهنيين) دورًا مهمًا في التاريخ، ولكنهم ظلوا شريحة غير قادرة على إغناء المجتمع بثراء تلك الافكار الانسانية الغزيرة مع فئات اجتماعية كادحة ومسخرة بين عمل الارض والخدمة في بيوت الاعيان وقصورهم. ذلك الفرز والتمييز بين العمل العقلي والجسدي، كان لابد وأن يثري تلك المجتمعات بافكار مجردة وانسانية. 

ومع ولادة الكتابة وتطور اللغة ثم الطباعة، ستكون تلك الافكار الانسانية بين دفة كتاب يتوارثه جيل بعد جيل ويرحل من بلد الى بلد يتناوله العظماء وعلية القوم كقيمة كبرى نادرة، بل وتحولت تلك الافكار بعضها خطرًا على سلطة الدولة، وكلما تعاظمت المطاردة التسلطية في مجتمع ما ازدادت جاذبية ذلك الكتاب بافكاره وموضوعاته. 

ومن هنا يصبح الاستبداد السياسي عنصرًا جديدًا آخر مؤثرًا في قيمة تلك الافكار، التي يتم تداولها «بالهمس» مما يصّعب مهمات الملاحقة أمام سلطة مستبدة قمعية. وتتحول «فئة مستنيرة» الى وسيط وناقل ومروج ومحرض لتلك الافكار الانسانية، حتى وإن لم تكن تلك - ربما في ذلك الوقت - رغبة المؤلف أو الفيلسوف نفسه. 

في هذا النطاق الضيق من الوقت والظروف كانت تعيش وتنمو وتحيا وتتنفس الافكار الانسانية الجذابة، حيث بعد مطاردة تلك الكتب وتمزيقها وحرقها، تتحول تلك الافكار وتختبأ في مكان صعب انتزاعه ألا وهو قلب وعقل الجماعات المستنيرة والمريدين في المجتمع رغم اقليتهم وندرتهم. 

وعلى مدار قرون طويلة وبين حضارات بعيدة ومتلاطمة، حملت الانسانية وتأثرت بافكار تلك الكتب «المخربة الهدامة» حيث يعود السبب، لجاذبية تلك الافكار على نفوس وعقول البشر. وبين أفكار بسيطة عادية عابرة وافكار عظيمة كبرى جذابة مؤثرة، يكمن جاذبية كل فكرة ومدى تأثيرها على العقل البشري، وتتحول الى قضايا وموضوعات مهمة جوهرية سنتوقف عندها في حلقات أخرى، كونها المحرك التاريخي للطبقات والشعوب في صراعاتها ومسيراتها الكبيرة وانعطافاتها العظمى في التاريخ. 

ومن الحيز الضيق الى الحيز الواسع، تتطاير تلك الافكار الانسانية حتى بدت في عصرنا «افكارًا عالمية» وتراثا انسانيا، وليست كما هي في السابق، نتيجة تداخل وتفاعل المجتمعات بعضها البعض بفضل وسائل ووسائط «الميديا». 

وشكلت الديانات السماوية وغير السماوية، لما فيها من تعاليم ووصايا، تقسم البشر بين فعل الخير وفعل الشر، وتحظ على الفضيلة والتسامح والابتعاد عن الرذائل والكراهية والاقتتال، وهناك الكثير من تلك الدعوات والافكار المشتركة بين الديانات السماوية التي منحت الانسان قيمة عظمى على الأرض. 

وفي ذات الوقت، تواجدت تلك الافكار والمبادئ والقيم ذات الطابع الديني والروحي والاخلاقي، في ديانات اعتبرت غير سماوية، فقد ظلت تحتفظ بتلك الافكار الكبرى الانسانية وترجمها فلاسفة تلك الديانات الاخلاقية الى مناهج وتعاليم روحية، كما نجدها في المانوية والزرادشتية والديانة البوذية والهندوسية والشينتو وتعاليم ودروس كونفشيوس التربوية ولاو سي وطاو. 

هذه المسافة الجغرافية بين حدود الشرق البعيد والشرق الاوسط اختزنت وناقشت ومارست الانسانية تلك الافكار بين شعوبها بهدف تقويم النفس البشرية والسلوك البشري عن الانحرافات والسقوط في براثن الشيطان والعنف، ذلك الرمز المجسم في كل ثقافات المجتمع الانساني، دون أي اختلاف فهو يعيش في النفس الانسانية كما يراها كهان وفلاسفة تلك الديانات غير السماوية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا