النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

الثقافة باعتبارها حقًا مشاعًا 2/‏2

الفرجة على المشهد وكأنه دراما إغريقية

رابط مختصر
العدد 11098 الأربعاء 28 أغسطس 2019 الموافق 27 ذو الحجة 1440

مواصلة للحوار السابق المنشور في مثل هذه المساحة يوم الاثنين الماضي، حول الثقافة كمصدر للتنمية والثروة، وطبيعة العلاقة بين الثقافة والسياحة وكيفية تحويل الثقافة إلى منتج يثري الحياة الاقتصادية والاجتماعية لأي بلد، قلت للصديق الذي دعا إلى الحد من الإنفاق على الثقافة تماشيًا مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وإعطاء الأولوية للجوانب المعيشية الأهم في تقديره:

- إن مثل هذا القول يعكس رؤية للثقافة سطحية، يجعل منها أمرًا يمكن الاستغناء عنه أو وضعه بين قوسين، إلى حين تحسن الأوضاع الاقتصادية. بينما الثقافة في جوهرها أمر جوهري في حياة الشعوب والأمم، بل وحاجة ماسة لا يمكن تجاوزها أو تجميدها أو تأخيرها. هذا إضافة إلى أنه لا نجاح للحياة السياسية في أي بلد، من دون وجود ثقافة حية متوهجة تقود وتنور وتمتع، ومن دون حرية تنتج ثقافة ديمقراطية حقيقية.

قال أحد الأصدقاء معقبًا:

- من المؤسف أن مثل هذا النوع من التفكير الذي يعتبر الثقافة مجرد هامش أو حتى خارج الهامش، منتشر حتى بين بعض الأوساط التي يفترض أن تعزز دور الثقافة من خلال سن المزيد من التشريعات والقوانين التي تعظم من شأن الثقافة، خاصة بين ممثلي بعض التيارات الدينية التي اقتحمت العمل السياسي المباشر وحصلت على عدد من المقاعد في البرلمانات العربية، فأدى ذلك إلى تحول العمل السياسي من صناعة البناء الفكري الفعال والمؤثر في الناس إلى خطاب أيديولوجي ملفق بعيد عن الفكر الحر وعن الرؤية الثقافية الفعالة، غير قادر حتى على بناء منطقه الداخلي وإقناع الجمهور العريض من الناس. بما أسهم في تعطيل إقامة حياة سياسية سليمة وطبيعية مثلما هو الشأن في البلدان الديمقراطية. والإطلالة السريعة على أغلب برامج الجمعيات السياسية والمرشحين للمجالس النيابية في البلدان العربية، يلاحظ فقرًا شديدًا في البعد الثقافي (ويكون في بعض الحالات منعدمًا تمامًا)، في مقابل التركيز على الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية في نظرهم.

ومع أنه لا اعتراض على أن يكون البعد الاقتصادي - الاجتماعي مستحوذًا على 90% من مساحة الاهتمام بالنظر إلى أولويات الناس وحاجاتهم الضرورية، وإنما الغريب حقاً، هو الغياب التام أو شبه التام للبعد الثقافي ضمن هذه البرامج والتوجهات.

فالسياسيون منهمكون في الشأن العام وهؤلاء في مجملهم يعتبرون الثقافة من الكماليات، و«رجال دين»، ينظرون في الغالب الأعم إلى الثقافة من موقع الشبهة والريبة والابتداع، والمرشحين للمجالس النيابية، تكاد تركز برامجهم على الاحتياجات السكانية والطرقات والكهرباء والمجاري، الأرصفة، والبيوت الآيلة للسقوط، حتى السياسيين من المثقفين -وهم قلة قليلة -يتنصلون، عندما يترشحون من البعد الثقافي عندما يستبد بهم الشأن السياسي بمكره وخداعه وألاعيبه ومساوماته والذي هو نقيض «للنقاء» الثقافي والفكري. ولذلك أقول، إنه لا شيء يبقى للثقافة تقريباً إلا الدولة والهامش الأهلي الصغير المؤلف من عدد من مناضلي الثقافة المشتغلين في صناعة بلا أرباح فورية. الدولة وحدها تقريباً هي مما يزال تتبنى برامج ويخصص موازنات - مهما كانت بسيطة - للشأن الثقافي كجزء من صورة الدولة ومسؤولياتها، بالإضافة إلى الجهد الأهلي البسيط الذي درج على أن يتنفس الثقافة كجزء من الحياة اليومية.

وتساءل صديق آخر:

هنالك وجه آخر لا يبدو أنكم تهتمون به بشكل واضح، مع أنه في تقدير مهم جدًا، أوليس غريبًا مثلاً أن نجد العديد من مثقفينا معزولين عن العالم، بلا حضور، متعالين عن معركة تسهم في تشكيل مستقبل الأوطان العربية، ومكتفين بالانشغال بخوض معاركهم الخاصة أو حتى الشخصية، أو بالبحث في مفردات الهموم الثقافية النرجسية في الجلسات الخاصة، والاكتفاء بالفرجة على المشهد العام وكأنه مسرحية هزلية أو دراما إغريقية يستمتعون بالفرجة عليها. ومن هذا المنطلق يبقى العديد منهم معزولين منخرطين في تبادل النواح من دون أن يكون لهم في أغلب الأحيان دور في بناء الوعي أو التأثير على مجريات الأوضاع في التاريخ.

قلت:

- أعتقد اعتقاداً يقينياً بأنه إذا لم تصبح الثقافة جزءًا من مشروع حضاري أوسع وأكبر، فإنها لن تتحول إلى قوة منتجة وفعالة على أي صحيح، بما في ذلك قدرتها على التحول إلى مصدر للثروة. فالواقع الثقافي ليس نتاج ذاته فقط، بل هو نتاج البنية الحضارية لأي بلد. كما أن المشكلة تكمن أيضا في المثقف، وفي مدى أصالته واقتناعه بدوره الثقافي والتنويري، وتلك قصة أخرى، فالثقافة فعل حياة ووجود وإبداع وإنتاج، خاصة وأن الاقتصاد العالمي يتجه ليصبح اقتصاد معرفة، وعليه لابد من تحفيز وعي الناس وإدراكهم بأن الثقافة حاجة أساسية في الحياة، كالمواء والهواء والطعام. وأعتقد أننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى في حاجة ماسة للعودة لاستنهاض دور الثقافة لمواجهة الإشكاليات في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، خاصة في هذه المنعطفات التاريخية التي تحتم على المثقفين والسياسيين أن يسهموا في تنمية وتطوير الحياة الثقافية، من منطلق الإيمان بدور الثقافة في التنمية والبناء. فأن تكون مثقفا يعني بالضرورة أن تكون منتمياً بوعيك في جميع الأحوال والفضاءات، ومهما تغيرت الأحوال، إلى رؤية قادرة على المساهمة في تعزيز التنوير والعقلانية والحداثة والإبداع. وأن تكون مؤمناً بإرادة الحياة وطاقة الانسان على التطوير والمراجعة، وحتى إعادة النظر في أشياء كثيرة خاطئة، كما على المثقف أن يلعب دورًا في دفع عجلة الثقافة وتكريس منظور جديد يقوم على الشراكة بين المؤسسات الرسمية والمؤسسات الأهلية، من أجل تحقيق المنجز الثقافي - ضمن أفقه العربي والإنساني - بعيداً عن التسييس الفج والمبالغ فيه والمشاحنات العديدة التي لا تتقدم بالشأن الثقافي، مع ضرورة الانصات مليئا للمثقف وحاجاته ومشاغله الأساسية في ذات الوقت.

همس

سئمت الحلم 

والانتظار..

محطات الوقوف

والطابور

الاغتسال بالصقيع

الصبح بلا أجراس

الوقوف على رصيف الغياب.

أزمنة الكتاب والعذاب

الربيع والخريف والشتاء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها