النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

جاذبية الأفكار الإنسانية (1/‏‏ 10)

رابط مختصر
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440

بين الحين والآخر، يتعرض المثقفون والاعلاميون لمقولة «جاذبية الافكار» فتمر مرور الكرام في النقاش أو تمس بسطحية عابرة، وكأنها عبارة سحرية خارقة ومصطلحًا مشتق من المعجم الادبي، فيما الحقيقة ان لتلك «الجاذبية» ثراء وتنوع في مصادرها التاريخية وتطورها المجتمعي من حقبة الى اخرى، كما ان الجاذبية لها خصوصيتها الفكرية والمجتمعية والطبقية حسب كل المجتمعات التي مرت بها. 

سنعمل على الاجتهاد بتقديم رؤية وقراءة لتاريخية الافكار وجاذبيتها وترسخها وصراعها في المجتمعات، حيث بعضها تمتد وتتعمق في قلب التاريخ وجذوره، وتظل تتناسخ وتتعمق بين فترة واخرى، بل وتظل جاذبيتها المعرفية والمجتمعية لا تتوقف عن النبش والمناقشة والتساؤل. 

وفي كل عصر سنجد ذلك التنوع العميق للافكار واحتضارها وتراجعها وموتها وصحوتها وتجديدها بصيغة متباينة عن إرثها التاريخي، دون أن ينقطع ذلك (الإرث) الخيط الرفيع البعيد عن صلب ومضمون تلك الافكار الانسانية الحيوية. 

سنعرج في حلقاتنا على العناوين التالية دون ان نتقيد بتسلسلها المكتوب * النموذج لهذه الافكار * قوة المثال * الافكار التنويرية والافكار الثورية * الطبقات والفئات التاريخية الحاملة للافكار الجذابة * الشخصيات التاريخية النموذجية * مقولة الكاريزما * مضمون تلك الافكار وفكرة الاحتذاء (قوة المثال) * الديانات التاريخية بين الاجتماعي والروحي * عصر التحولات العلمية والمعرفية * الشباب والطلبة والثورة المعرفية * الصراع المعرفي والطبقي بين الكنيسة والدولة وبين المؤسسة الدينية والمجتمع* الافكار الانسانية بين التبعية والمصالحة والصراع والتوفيقية (المواءمة). 

لعلنا في تلك العناوين نلامس حقيقة جاذبية الافكار في كل مرحلة ومدى محدودية جاذبيتها في المكان والجغرافيا وفي ديمومة الوقت المتحرك في حضارة محددة. 

يؤكد علماء الاجتماع والتاريخ والانثروبولوجيا، ان تشكيلة المرحلة الاقطاعية لم تدم في مراحلها التاريخية اكثر من خمسة قرون حتى اطاحت بها تاريخيا الطبقة البرجوازية الصاعدة، فانتهت في القارة الاوروبية من المشهد التاريخي فيما ظلت الطبقة النقيضة لها (الفلاحين بكل تصنيفاتهم) تمارس دورها الانتاجي والاجتماعي حتى الآن، غير اننا لن نجد من تلك الطبقتين تاريخيا أية افكار تنويرية قدمت لمسيرة الانسانية، اللهم ذلك القهقري في تعطيل (كعصور الظلام ومحاكم التفتيش) عجلة التغيير التاريخي للمجتمع في ديمومة صراعه. 

كما يؤكد ايضا علماء التاريخ والمجتمع والانثروبولوجيا، ان تشكيلة المجتمعات العبودية، سواء في الغرب او الشرق، عن انها دامت ما يقرب من الفين سنة (عشرين قرنا) ولكن رغم طول وامد تلك الحقبة، فإن ملاكو العبيد ولا العبيد بذاتهم قدموا للانسانية قيما وافكارا ساهمت في جوانب معرفية للانسانية، اللهم تلك التمردات المجتمعية المهزومة التي استهدفت العتق والتحرر، فيما ملاكو العبيد لم يقدموا للانسانية إلا قسوتهم الانسانية ووحشيتهم اليومية وسياطهم المستمرة على ظهور عبيدهم. 

ومن داخل تلك الطبقات الانفة الذكر وتشكيلاتها، وعلى شكل محدود وفردي، ستولد نزعة اخلاقية عاطفية تتعاطف مع الاوضاع المتردية للعبيد، وتلك الافكار الانسانية سيكون مصدرها جانبان، أما رجالات الدين في المعابد أو ابناء السادة والاعيان وجماعات من داخل البلاط وجدت في المؤسسات الكلاسكية التعليمية (السكولائية) في روما واثينا، والتي بدأت تناقش افكارًا جديدة تلامس جوهر الحقيقة الانسانية وكل ما يدور حولها من تناقضات واسئلة معرفية تمس المجتمع بل وكل اطراف الامبراطورية. بل وخاضت تلك الافكار الانسانية جدلا عميقا كان لابد وأن يؤدي الى عزلة بعض الفلاسفة او انتحارهم ومحاكمتهم ونفيهم، هؤلاء الاوائل بدت نواتهم في جاذبية الافكار منسية لقرون، لاسباب عديدة تتعلق بشروط وظروف اساسية بتطور المجتمع نفسه، ولكن تحولت حكاياتهم مع الوقت الى نماذج ومثال تاريخي، فلا زالت الانسانية ترى في «سبارتاكوس» درسًا ونموذجًا للحرية، ولا زالت تقرأ سقراط وافلاطون وأرسطو وكأنهم احياء في قلب التاريخ وليس خارجه، أو ليس فقط في مكتبات الجامعات والدروس الاكاديمية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها