النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الثقافة باعتبارها حقًا مشاعًا (1 /‏‏ 2)

السياحة الثقافية كمصدر للدخل والتنمية

رابط مختصر
العدد 11096 الإثنين 26 أغسطس 2019 الموافق 25 ذو الحجة 1440

خلال نقاش مع عدد من الأصدقاء من المثقفين، طرح موضوع أهمية الثقافة ومدى أولويتها في حياتنا، خاصة في ظل الظروف الحالية المتسمة بوجود صعوبات مالية واقتصادية، وأولويات أخرى معيشية تستوجب أن تلتفت إليها الدولة والمجتمع معًا، فطرح أحد الأصدقاء سؤالاً اشكالياً مستفزًا للنقاش، وهو:

- ألا يمكن إرجاء الإنفاق على العمل الثقافي إلى حين التعافي من الوضع الاقتصادي المأزوم؟

فكانت ردود الجميع - ومن دون استثناء- رفض هذا النوع من التفكير الذي يرى في الثقافة نوعا من الديكور للزينة، يمكن الاستغناء عنه عند أول ضائقة. فالثقافة جزء أصيل وضروري وجوهري من حاجات أي مجتمع وأي دولة. بل إن الحاجة الثقافية (الروحية والفنية والأدبية والفكرية والفلكلورية) لا تقل أهمية عن حاجة الإنسان للماء والهواء والخبز والسكن وغيرها من متطلبات الحياة الأساسية، إضافة إلى أن الحضارات لا تصنع إلا بالفكر والإبداع والحضور الفني والأدبي والفكري المتواصل في تأسيس ملامح الجدة والتحرير والتنوير في نمط الحياة الممكنة. ولا يمكن لحضارة من الحضارات أن تستمر في الحضور من دون تفجير طاقات تفكيرها وتعابيرها الفلسفية والفنية والأدبية والتشكيلية وغيرها من الوجوه الإبداعية، وذلك مهما كانت درجة تطورها الاقتصادي وحضورها السياسي، فإن الثقافة هي العلم الذي يرتفع عالياً، ويشرف تلك الحضارة ويغنيها ويعلن عنها في العالم وبين الأمم. 

 

رد الصديق على هذه الهجمة بالقول:

- مهلكم، فهذا كلام نظري وجميل، ولكن هذه الحقيقة التي تبدو لأول وهلة بديهية، فإنها في الواقع اختفت في عالمنا العربي، بحكم عوامل عدة، بالتزامن مع زيادة عدد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية. وأتفق معكم أن اختفاءها يشكل فاجعة، قد تجعلنا نتدحرج إلى متاهات من الصعب الخروج منها. ولكنْ هنالك جانب آخر قد يكون وراء هذه التراجع، ولا علاقة له بالوضع الاقتصادي والمالي، وهو اتجاه العالم في مجمله، وليست دولنا العربية فقط، نحو مرحلة نهايات الأيديولوجيات الكبرى التي كانت تسخر لها الجهود الثقافية الكبيرة والتمويلات الضخمة. ونتذكر هنا حجم الموارد الكبيرة التي كانت تسخرها الدول الاشتراكية للثقافة كجزء من الدعاية الأيديولوجية لنمط العيش الاشتراكي على سبيل المثال فقط. وهنالك عامل ثالث لا يقل أهمية من وجهة نظري وهو: أن العصر هو عصر الاقتصاد السوقي الذي يستبعد ما ليس مجدياً بمعيار السوق، هذا رأيي وإن كان لا يعجبكم.

 

قلت للصديق:

- لا نشك في تحول الوضعية الثقافية التي لم تعد مرتكزة على النظريات الكبرى الموحدة للمواقف وللنضالات الفكرية والسياسية في العالم. وصحيح أيضا أنه لم يعد هناك كلي يؤطر ويوجه الإبداعات، ويشكل المنهج الأمثل لفهم صيرورة التاريخ وتجليات الحياة الفردية والاجتماعية. وصحيح أيضا أن الفكر أصابه نوع من الريبة والشك المتواصلين في الأصول والظواهر على حد السواء. لاسيما بعد (حركات الحرية) والتحرر في العالم، والتي كثيراً ما اعتبرناها هامشية، ولكنها غيرت مفهوم الفرد في المجتمع، وقدمت للحرية تمظهراً جديداً كانت له انعكاسات كبرى في المجتمعات الغربية على الأقل. ولكن أهم إنجازات هذا العصر المعولم الذي نحيا فيه حاليا، هو أن الثقافة قد تحولت فيه إلى بديل عن تلك الأيديولوجيات الكليانية. وهذه فرصة سانحة لنا لتوظيف الثقافة والاستثمار فيها. مع مواجهة التحدي الذي فرضته الوقائع على الأرض في كيفية تحصين الأجيال الجديدة وحماية شخصيتها من الاستلاب والضياع. ولذلك فإنني أرى أن الحل يتمثل في نشر الثقافة ودمقرطتها، وجعلها حقاً مشاعاً للجميع. وجعل ثقافة النخبة هي ثقافة الجمهور، في مواجهة ثقافة الدجل وتزيف الوعي أو نشر الهراء، وضرورة تجاوز التأخر الناتج عن العلاقة القائمة حالياً بين المثقف والجمهور، وبين الثقافة وهذا الجمهور، بطرح منتجات ثقافية مختلفة عما يتم ترويجه من خلال بعض الجماعات التي تجعل من الثقافة أداة تابعة لها. ولذلك على الدولة في المقابل، أن نضع الإمكانيات اللازمة لاستعادة الوعي الثقافي، وامتلاك ثقافة شاملة بأدواتها الحضارية، من متاحف ومراكز ثقافية وأندية مجهزة بالإمكانات اللازمة وبوسائل التواصل الحديثة، لعلها تبعث روح التجديد والتفتح والتسامح والحداثة والعيش المشترك، بعيداً عن الواجهات السياسية، وذلك من أجل وضع الأجيال الجديدة على الطريق الصحيح نحو العلم والمعرفة والابداع والفكر الحر المتحرر القادر على انتاج السؤال في مواجهة الأفكار المتحجرة والقولبة والتي تدعي امتلاك المعرفة المطلقة.

 

عقب أحد الأصدقاء قائلاً:

- للأسف أننا ما نزال نتعامل مع الثقافة كديكور يمكن الاستغناء عنه في أي لحظة، بل وننظر إليها بأنها غير منتجة، في حين أن الثقافة يمكن أن تتحول إلى مصدر مهم للثروة والتنمية، من خلال إنتاج الأفلام والمسرحيات وتنظيم المعارض التشكيلية والمهرجانات والحفلات الفنية، وتوظيف الآثار والمواقع التاريخية، لتتحول إلى مزارات، وكذلك التوظيف السليم للمقدرات والفنية والابداعية. فأكثر البلدان تقدماً نجحت في تحويل الثقافة إلى مصدر للثروة، تتحول المتاحف فيها إلى مدرة للمال، وكذلك المعارض والمهرجانات الثقافية. كما تم الربط الوثيق بين السياحة والثقافة، ولذلك أرى شخصيا بأن فصل الثقافة والآثار عن السياحة كان غير مفيد بالمرة. فهذان الجانبان في معظم الدول في العالم المتقدم مرتبطان ومتكاملان، والعالم اليوم يتحدث عن السياحة الثقافية بشكل واضح، والتي تركز على توظيف الرغبة في اكتشاف ثقافات جديدة وأنماط حياة وعادات وتقاليد فنية وآثار ومواقع للتعريف بثقافة البلد، وتحويل كل ذلك إلى منتج ثقافي يدرُّ على البلد موارد مالية ضخمة، من خلال توفير المنتجات والخدمات الملبّية لحاجات ملايين السياح. وهذا ما يفسر كيف تحولت السياحة في العديد من بلدان العالم إلى صناعة من أكبر الصناعات التي قد تتقدم من حيث المردود المادي عن صناعة مهمة، مثل صناعة السيارات، هذا فضلاً عن أهميتها المعنوية في التعريف بالبلدان وهويتها وتراثها وإبداعات أبنائها.

وللحديث بقية

 

همس

في لحظة الوجع 

التقينا قرب المجرة،

نيزكين يهويان، 

يختفيان

في سر السذاجة الأبدية. 

وجهان في صفحة البحر،

يختبئان وحيدين،

والذكريات الفارة بين الأصابع

 رمل حزين...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها