النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

عشق الروح.. رحلة عذاب بين الحب في ليلي طال وعيوني حبايبي هجروني

رابط مختصر
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440

لم تنتهِ قصصنا بحكايات الحب الضائع بين عيون حبيبة عبدالحليم حافظ والقد المياس لمعشوقة فريد الأطرش وجمالها الفاتن، فقصص حب الفنانين والفنانات والمطربين والمطربات لم تكتب لها نهايات سعيدة كما كتبوا هم لنا في أغانيهم وأفلامهم، فهذا العالم المليء بالشجن والعواطف الذي جسد لنا قصص حب وغرام خالدة لم ينعم هو بها، أو على الأقل بمشاهد ما قبل نزول تتر نهاية الأفلام، حيث نجد حلولاً لكافة العثرات التي مر بها أبطال العمل الدرامي لتكون النهاية كما ذكرنا سعيدة ومبهجة.

وعلى عكس نهايات الأفلام السعيدة، يأتي فيلم «غزل البنات» بطولة نجيب الريحاني (الأستاذ حمام) وليلى مراد (ليلى)، فالبطل كبير في السن ولكنه وقع في حب فتاة صغيرة، ولم يكن عامل السن فقط هو المانع لإعلان حبه للفتاة التي أحبها، فهناك أيضا الفارق الكبير في المستوى الاجتماعي، فهو مجرد مدرس لغة عربية بائس يقوم بالتدريس لها بعد موافقة جدها الباشا الذي أعجب به بعد حوار سابق كاد يطرده نهائيًا من قصره بسبب «طول لسانه» وعدم تقديره مع من يتحدث، فالريحاني تحدث مع الباشا وكان يعتقد أنه أحد العاملين بالقصر ولم يكتشف أنه نفسه صاحب القصر إلا بعد حوار ساخر بين الاثنين. وبعد فترة من التعامل بين الريحاني وليلى مراد وقع في حبها وعرفت هي بأنوثتها أن مدرسها واقع في غرامها، فلعبت على هذا الوتر وأوعزت له بأنه رجل تتمناه كل فتاة في سنها وأن هذا الفارق العمري والمادي لا ولن يؤثر في علاقة الحب، فتمادى هو في حبه حتى أوقعته في مشكلات عديدة وعرف فيما بعد أن هذه البنت تعبث بقلبه وتستغله للاقتراب من حبيبها الذي نكتشف لاحقًا أنه إنسان شرير لا يريد سوى استغلال ثروة الفتاة، وهنا يقع الأستاذ حمام في مأزق، فهو اكتشف حقيقة هذا الحبيب الشرير.. ثم تتوالى الأحداث حتى يظهر بطل آخر هو النجم أنور وجدي في الأحداث لينقذ الفتاة من براثن الإنسان الوقح الذي توهمت أنه يبادلها حبًا بحب، وتتوالى المشاهد حتى يقع الجميع في مأزق وتضطر ليلى مراد والريحاني للاختباء من الطيار للهرب من ملاحقته لهما في قصر قريب، ليكتشفا أن يوسف وهبي -ظهر بشخصيته الحقيقية في الفيلم كفنان شهير- هو صاحب هذا القصر، وهو الذي اكتشف مدى عشق الأستاذ حمام الرجل المسن للفتاة ليلى التي تتلاعب بقلبه، فما كان منه سوى أن دعاهما للاستماع لمحمد عبدالوهاب وهو يغني أغنية «عشق الروح» التي يظن أي مشاهد للفيلم للمرة الأولى أن هذه المقطع -أي مقطع الأغنية- دخيل على أحداث الفيلم وبالإمكان إلغائه من المشاهد ولن يؤثر على تسلسلها والسياق الدرامي.

عبقرية فيلم «غزل البنات» تكمن في أداء الريحاني، هذا الإنسان الذي وقع في حب ليلى الفتاة الجميلة الدلوعة التي تعبث وتلعب بقلوب الآخرين، ومع الحب الكبير الذي شعر به الريحاني حيال ليلى العابثة به وبسنه كان روعة الأداء، حيث جسد مشاعر ملتهبة ومتناقضة في نفس الوقت، مشاهد مثيرة ومعقدة رغم بساطتها ويصل الأستاذ حمام إلى ذروة الأداء بعيونه الذي يعبر بها عن حبه وغرامه.. مشاعر إنسانية عظيمة وهو يبكي عندما يستمع إلى «عشق الروح» وبجانبه الفتاة التي ظن أنها تحبه كما أحبها، ليتمادى بمشاعره وحواسه مع كلمات ومعاني الأغنية ليقرر بينه وبين نفسه أن يعشق روح الفتاة وليس الجسد، ويتجلى معنى وجود الأغنية في السياق الدرامي للفيلم أكثر بغناء عبدالوهاب «كل ده وأنت مش داري يا ناسيني وأنا جنبك /‏‏‏ ولقيتك في السما عالي وأنا في الأرض مش طايلك /‏‏‏ حضنت الشكوى في قلبي وفطمت الروح على بابك».. بينما يقف الريحاني فعلا بجوار ليلى مراد، ولا يحتاج المخرج لشرح، فمشهد بكاء الريحاني يتزامن مع كلمات عبدالوهاب.. هذه اللحظة التي بكي فيها الرجل المسكين هزت قلوب المشاهد بل فطرتها في حين لم تهتز مشاعر الفتاة التي أحرقت قلبه بحبها، فهكذا هي حياة البعض يحب وينفطر قلبه في حين المحبوب لا يشعر بذلك ويظل بعيدًا عن الحبيب بل يفكر في غيره.

ومن هنا كانت عبقرية أغنية «عشق الروح»، فهي بمنزلة ترجمة فورية لمشاعر الرجل المكبوتة، بينما عبّرت الكلمات عن عين الرجل التي تبكي وقلبه يحترق شوقًا للإنسانة التي تقف بجواره وهي عابثة به، حتى يأتي دور يوسف وهبي وهنا يضطر إلى إفاقة الريحاني إلى حقيقة وضعه ويحاول أن يعيده لصوابه. حتى البطلة هنا لم تكترث بالحقيقة عندما أبلغها يوسف وهبي في الإطار الدرامي للفيلم وسياقه العام أن الأستاذ حمام يحبها، وجاء حواره لليلى مراد كالآتي: «افرضي يا ليلى هانم أن الأستاذ حمام ييحبك وإنتي بتحبيه‏»، لتفاجئنا ليلى مراد برد قاسٍ وهو ما جاء في المشهد أيضًا «هو أنا اتهبلت في عقلي أحب واحد زي ده‏»، لتنفجر الدماء في وجه الأستاذ حمام فيردد مناجيًا أو معاتبًا نفسه‏:‏ «أيوه أنا اتهبلت في عقلي‏».. وينتهي المشهد برحيل الأستاذ حمام عن الكادر وهو يخفي دموعه بمنديله‏، بينما يصر يوسف وهبي على موقفه ويبلغ ليلى مراد أن الأستاذ حمام واقع في حبها‏‏ «يا ست ليلى الراجل ده بيحبك‏،‏ أيوه بيحبك‏»، ثم يخاطبنا بجملته الشهيرة «ما الدنيا إلا مسرح كبير» بعد اختفاء الأستاذ حمام وليلى من المشهد.. كل هذا الحوار والمشاهد عبّرت عنها كلمات «عشق الروح»، فكانت مثل انفعالات غير مرئية ولكنها مفعمة بالصدق للصور المتحركة على الشاشة. فالأغنية ترجمت في دقائق معدودة المضمون الدرامي للفيلم حتى وإن سبق الغناء تمهيد من يوسف وهبي لما سنسمعه لاحقًا، حيث كانت الكلمات بمنزلة شرح وتوضيح لمشاعر الأستاذ حمام العاشق الصريع الذي كتم مشاعره حتى نراه يبكي من الصدمة والحزن معًا ثم تأتي كلمات ونغمات عبدالوهاب لتعبّر عن هذه الصدمة والحزن والحب المكتوب عندما قال: «ليه ليه يا عين ليلي طال /‏‏‏ ليه ليه يا عين دمعي سال /‏‏‏ يا عيوني حبايبي ليه هجروني /‏‏‏ ليه يناموا وانتي تصحي يا عيوني ليه ليه».

الأستاذ حمام اكتشف أن عشق الروح هو الدائم، وكان مشهد بكائه خير معبّر عن حب عظيم وُلد بقلب محب ولكنه أخطأ عاشقه، لكونه حبًا اصطدم بتقاليد اجتماعية لم تكن في صالحه بخلاف عامل السن أيضًا، ما زاد من شقاء المحب، ليظل الأمل يستبد به على الرغم من وضوح عدم التكافؤ وميل الإنسانة التي أغرم بها إلى إنسان آخر، ومع ذلك لم ييأس واستمر مرتبط بها عاطفيًا.. فإذا به يلهث طيلة الوقت خلف فتاة أحلامه المستحيلة، ليرضى ببقائه بجوارها في معبدها الذي بناه بروحه لعله ينال رضاها الصعب والمستحيل، وهنا يعبّر عبدالوهاب في «عشق الروح» عن هذه المعاناة «عشقت الحب في معبد بنيته بروحي وكياني /‏‏‏ وخليت الأمل راهب مالوش عندي أمل تاني /‏‏‏ أنور شمعتي لغيري ونارها كاوية أحضاني /‏‏‏ وأبيع روحي فدى روحي.. وأنا راضي بحرماني /‏‏‏ وعشق الروح مالوش آخر لكن عشق الجسد فاني».

تحشرجت الكلمات في فم الأستاذ حمام ولم يستطع البوح بكلمة، ولكن انهمرت دموعه لتفصح لنا عن شكواه ولوعته «ليه ليه يا عين ليلي طال /‏‏‏ ليه ليه يا عين دمعي سال /‏‏‏ يا عيوني حبايبي ليه هجروني /‏‏‏ ليه يناموا وانتي تصحي يا عيوني ليه ليه /‏‏‏ يا ليلي عيني اشتكت من طول سهادي ياليل /‏‏‏ وكف إيدي اتملت من دمع عينى ياليل».

يخرج العاشق المصدوم في حبه من المشهد حزينًا كسيرًا ليختبئ خلف أنينه الشجي ولا تزال معشوقته التي رسمها بعيونه غائبة عنه، ولكنه لم يكن نادمًا على حبه رغم لوعته في غرامه «وكم من فجر صحيته وصحاني على عهودي /‏‏‏ وحتى العين في غفلتها بتصحي دموعها في خدودي /‏‏‏ تسبح في الفضى شاغل شغلني عن حطب عودي /‏‏‏ وهبت وجودي علشانه وعمري ما عشت لوجودي».

لم يندم العاشق على لحظات حبه التي غمرته بالسعادة حتى وإن كان حبًا من طرف واحد، ومن علامات عشق الروح أنه تمنى لها السعادة مع من اختارته حبيبًا ليمتد عشقه ليصل إلى روحها بعد أن عاش معها لحظات كانت بالنسبة له عمره كله، فهي التي أيقظت فيه الحب بقلبه بعد سنوات مضنية خاوية خالية من العشق ليقرر أن يعيش على ذكرى هذا الحب «ضحيت هنايا فداه.. اشهد عليه يا ليلوح اعيش على ذكراه.. اشهد عليه يا ليل /‏‏‏ هايم على دنياه زي الضحى والليل /‏‏‏ يا ليلي يا ليل.. يا ليلي يا عيني».

ثم يعود العاشق إلى حسرته في ضياع حبه ولياليه التي أضاعها هيامه في إنسانة لم تكن تحبه «ليه ليه يا عين ليلي طال /‏‏‏ ليه ليه يا عين دمعي سال /‏‏‏ يا عيوني حبايبي ليه هجروني /‏‏‏ ليه يناموا وانتي تصحي يا عيوني ليه ليه».

 ثم ينتهي به الحال ليتذكر حكايته من جديد أو من يغني مواله -نفس الموال- كل يوم، ولكن بصوت عبدالوهاب «كل ده وانت مش داري يا ناسيني وانا جنبك /‏‏‏ حاولت كتير ابوح وأشكي وأقرب شكوتي منك /‏‏‏ لقيتك في السما عالي وأنا في الأرض مش طايلك /‏‏‏ حضنت الشكوى في قلبي وفطمت روحي على أملك».

إنها أغنية «عشق الروح» التي يعتقد البعض أنها مقحمة على العمل الدرامي ولم تكن سوى للتسلية في الفيلم وإغراء جمهور عبدالوهاب وقتها لمشاهدته في السينما، لكن واقع الحال لا يشير لذلك البتة، فالأغنية لم تكن سوى خلفية معبّرة عن حال عاشق ولهان كمن يعيش على الأرض بينما حبيبه في السماء، عالٍ ولا يطاله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا