النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11183 الخميس 21 نوفمبر 2019 الموافق 24 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

تحديات الدولة الوطنية في ظل العولمة!

رابط مختصر
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440

تعتبر أزمة الديمقراطية التمثيلية في الغرب محصلة لعوامل عديدة، معظمها داخلي وبعضها خارجي، وتأتي أزمة أو مشكلة الدولة الوطنية في مقدمة هذه العوامل، فالدولة القوية التي تتمتع بالشرعية والفاعلية تمثل حاضنة للنظام الديمقراطي، ويقصد بأزمة الدولة الوطنية في هذا السياق التحديات التي تواجه الدولة، والتي تؤثر على فاعليتها وكفاءتها في القيام بأدوارها التقليدية، هذا ما لفت إليه الدكتور حسين توفيق إبراهيم في مجلة الديمقراطية عدد أبريل 2019.

لقد جاءت الازمة العالمية في عام 2008 والتي تُعد الاسوأ منذ الكساد الاقتصادي الكبير في ثلاثينات القرن العشرين، لتكشف عن جوانب الضعف التي تعاني منها الدولة الوطنية، سواء على مستوى السياسات التي افضت إلى الازمة أو طريق معالجتها، كما عانى الاتحاد الاوروبي كثيرًا من أزمة الديون التي غرقت فيها بعض دول الاتحاد، وأزمة التعامل مع الهجرة، حيث أخفقت دول الاتحاد في بلورة سياسة موحدة بهذا الخصوص وراحت تتبادل الاتهامات فيما بينها.

ومن بين الملاحظات التي يستخلصها: لقد كشفت الازمات السابقة عن حالة من تآكل القدرات المؤسسية للدولة، ما يعني عجزها بدرجات متفاوتة واشكال مختلفة عن رسم سياسات جيدة وملائمة للتعامل مع المستجدات، وتنفيذها بفعالية وكفاءة. ونتيجة لذلك، فقد شهدت دول عديدة زيادة ملحوظة في معدلات البطالة والفقر، فضلاً عن التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أدى إلى تدهور اوضاع الطبقة الوسطى التي تشكل الركيزة الاجتماعية الاساسية للديمقراطية، وقد اسهم ذلك في خلق تربة خصبة لتمدد التيارات الشعبوية اليمينية واليمينية المتطرفة في عديد من الدول العربية.

ومن بينها أيضًا أصبحت مشكلة الدولة الوطنية أكثر وحدة في ظل موجات العولمة الكاسحة التي قلصت من أهمية الحدود الجغرافية، وعززت من قوة ومكانة فاعلين من غير الدول، مثل الشركات متعددة الجنسيات العابرة للحدود، واسواق المال العالمية، كما انها أسهمت في زيادة مظاهر عدم المساواة داخل الدول الغربية وغيرها، لا سيما انها اقترنت بالتمدد السريع لاقتصاد المعرفة القائم على الرقمنة والذكاء الاصطناعي، والابتكار، وبالتالي فهو يؤثر في سوق العمل، ومعدلات البطالة، حيث يستوعب أصحاب المهارات العالية جدًا.

بالمقابل، فقد قلصت العولمة الوقت كما يظهر من مظاهر قوة الدولة وسيادتها، حيث باتت تشكل تحديًا حقيقيًا لها.

كما ان التغييرات التي لحقت بالهياكل والتكوينات الديموجغرافية والاجتماعية والثقافية والدينية للدول الغربية باتت تلقى بتأثيراتها في طبيعة الدولة والنظام الديمقراطي، فموجات الهجرة غيّرت من التركيبة السكانية في عديد من الدول، وأسهمت في زيادة معدلات البطالة، وعدم المساواة، خاصة في ظل التطبيق السيئ لسياسات الليبرالية الجديدة التي انتجتها دول عديدة في الغرب، كما استغل البعض تزايد أعداد المسلمين في المجتمعات الغربية في تعميق ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، خاصة في ظل استمرار الأنشطة الإرهابية التي انخرطت فيها تنظيمات جهادية إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش» وغيرهما، كل ذلك وغيره أسهم في تغذية سياسات الهوية، وتصاعد التيارات اليمينة واليمينية المتطرفة التي تعادي المهاجرين، ورفع شعارات حماية الهويات التقليدية الغربية سواء أكانت عرقية أو دينية.

كما باتت الجاليات المسلمة في الغرب تعاني بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من مشكلات تمزق الهوية بين الدول العلمانية المسيحية التي يعيشون فيها ويحملون جنسياتها من ناحية والدين الذي يعتنقونه من ناحية أخرى، فضلاً عن المعاناة من مشكلات الاندماج والتمييز في المجتمعات الغربية، وهو ما يتجلى بوضوح في حالة سكان الضواحي في فرنسا، في هذا الواقع المعقد، أصبحت مبادئ المواطنة والتسامح الديني والثقافي، والقبول بالتعدد الهوياتي، في إطار الدولة الوطنية التي تشكل مرتكزات رئيسة للديمقراطية الليبرالية، أصبحت تحت الحصار والتهديد.

ونظرًا لأن ظاهرة الإرهاب العالمية طالت دولاً غربية عديدة خلال العقدين الأخيرين، خاصة في ظل تزايد عمليات الذئاب المنفردة، فقد أسهم ذلك في تصاعد سياسات الخوف، حيث بدت هذه الدول انها ليست بمنأى عن الإرهاب العابر لحدود الدول، والذي راح يوظف بعض وسائل الثورة المعلومات والاتصالات لخدمة أهدافه ومخططاته، ولذلك فإنه عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من عمليات إرهابية، وقعت في عديد من الدول الغربية، اتجهت الولايات المتحدة الامريكية ودول أخرى إلى التضييق بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة على الحقوق والحريات العامة، من المفارقات ان تنظيم «داعش» استطاع ان يجند آلافًا من مواطني عديد من الدول الغربية في صفوفه، بما في ذلك دول مثل الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وألمانيا وغيرها.وهو الأمر الذي أثار سؤالاً جوهريًا بشأن الأسباب التي تدفع مواطني دول متقدمة للانخراط في تنظيمات إرهابية.

ورغم تعدد الاسباب بهذا الشأن، فإن أزمة الهوية التي تعاني منها الجاليات في الغرب، خاصة في صفوف الجيلين، الثاني والثالث من أبناء المهاجرين، تأتي في مقدمة هذه الأسباب. وبعد هزيمة «داعش» عسكريًا في كل من سوريا العراق خلال الفترة من 2017 إلى 2019، أصبحت القضية التي تواجه دولاً غربية عديدة في الوقت الراهن تتمثل في كيفية التعامل مع مواطنيها الذين انخرطوا في التنظيم وعادوا إليها بشكل أو بآخر، أو الذين تم اعتقالهم في كل من سوريا والعراق وهم يشكلون قنابل موقوتة قد تهدد الأمن الداخلي في هذه الدول.

وبجانب ذلك، يعتقد أن جاذبية الديمقراطية كمنظومة قيم وكآليات حكم تشهد في الوقت الراهن حالة من التراجع على المستوى العالمي؛ وذلك نتيجة لأسباب عديدة، أبرزها الأزمة التي تعاني منها الديمقراطية في الدول الغربية، وهي أزمة ناجمة عن عدة عوامل تأتي في مقدمتها التحولات التي لحقت بالدولة الوطنية في الغرب خلال العقدين الآخرين، وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل الديمقراطية بات محفوفًا بالكثير من التحديات، ولذلك انشغل بعض الباحثين بالبحث في أسباب فشل النظم الديمقراطية وسبل إنقاذها.

في سياق أزمة الديمقراطية في الغرب طُرحت عدة اجتهادات لتوصيف هذه الحالة، فهناك من طرح «ما بعد الديمقراطية» وهذه الأطروحة لا تعني اختفاء مؤسسات الديمقراطية وآلياتها، حيث أنها تظل قائمة ولكن قدرتها تتراجع عن القيام بوظائفها بفعالية وكفاءة، أي تظل تمثل إطارًا رسميًا شكيًا للنظام الديمقراطي، ولكن دون أن تجسد الجوهر الحقيقي للديمقراطية خاصة فيما يتعلق بتمثيل الإرادة الشعبية، من خلال صناديق الاقتراع، وضمانات التنافس الحر بين الأحزاب القوى السياسية، بعيدًا عن تأثير المال، والتدخلات الخارجية في العمليات الانتخابية، والتطبيق الفعال لآليات المساءلة والمحاسبة، وتحقيق سيادة القانون.

إن تجاوز الأزمة الراهنة للديمقراطية يتوقف في جانب مهم منه على مدى قدرة الدولة الوطنية والنظم الديمقراطية على التكيف مع مستجدات القرن الحادي والعشرين، ما قد يفضي إلى نوع من إعادة اكتشاف قدرات الدولة الوطنية وإعادة تعريفها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا