النسخة الورقية
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

في صحبة الكتابة (4)

رابط مختصر
العدد 11094 السبت 24 أغسطس 2019 الموافق 23 ذو الحجة 1440

(قدّم الفيلسوف الإسلامي أبوحامد الغزالي تجربة مُلهِمة في الاعتزال، حيث ترك حياة التدريس والمُناظرات والمُناكفات مع الشيوخ والطلاب عشر سنين، وعبر الصحراء وحده بحثًا عن ذاته، متأمّلاً في وجوده، حتى أخرج موسوعته «إحياء علوم الدين»، كأحد أهم الكتب في عِلم التصوّف، حتى قيل عنه: «مَن لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء!». /‏ أمين سعدي) وهو القائل عن عزلته:

لستُ أخلو لغفلةٍ وسكون

وفرار من الورى وارتياح

إنما خلوتي لفكرٍ وذكـــر

فهيّ زادي وعُدّتي لكفاحي

العزلة هي واحدة من الأمور التي تحدث فيها الكتّاب كثيرا، رغم أن الكاتب يستمد مادته من الحياة ومن خلال اختلاطه بالناس، فكيف يفسر الكتّاب هذه المفارقة بين الاندماج والعزلة وبين الاتصال بالناس والابتعاد عنهم؟ وهل العزلة ضرورية للكاتب أم أنه ليس في حاجة إليها؟ وإن كان الأمر كذلك فلم يتحدث الكُتّاب عن حاجتهم للعزلة؟ كان المتصوفة يعتزلون عن الناس لتصفية عقولهم وللتفرغ للعبادة والتأمل وتطهير الروح والتجلي، وكذلك الكاتب قد يذهب للعزلة ليكون وجها لوجه مع نفسه وأفكاره وشؤون الحياة التي تؤرقه، فيتفرغ لتفسيرها وتحليلها، وقد يعتزل الكاتب لإنجاز عمل أدبي أو ثقافي بين يديه تعيقه مسؤوليات الحياة وعلاقاته الاجتماعية عن إتمامه، وفي الأغلب فالكتّاب لهم طباع متصوفة تميل إلى العزلة بين وقت وآخر، وقد يدخل بعضهم في حالة اعتكاف طويلة خصوصًا في مرحلة العمر الأخيرة، وهناك تشابه بين الاثنين (المتصوفة والأدباء) في هذا الخصوص، فالكتابة هي ضرب من الروحانية العالية المتأملة، تمامًا كالتصوف، وهي نشاط يتعاطى معه الكاتب بروحه ووجدانه، ودون ذلك لن يكتب الكاتب ما يسره ويسر القارئ، الذي يذهب بدوره للقراءة ليتطهر من أدران المحيط الذي يعيشه، في عالم غارق في ماديته وملذاته الحسية. 

وكما تُطهر الكتابة، فالقراءة أيضا تُطهر وتصفي الروح. إذن فعزلة الكتابة هي أمر طبيعي لا شذوذ فيه، وهي ضرورية، كما أراها خصوصًا في إنجاز الأعمال الروائية والفكرية التي تحتاج إلى وقت وجهد مضاعفين، وهذه العزلة لا تكون واحدة عند كل الكتاب، فهي تتنوع، وتختلف مدتها من كاتب إلى آخر وترتبط بالمرحلة العمرية. يقول الروائي الأمريكي إرنست همنغواي، صاحب جائزة نوبل وجائزة بوليتزر، ورواية الشيخ والبحر ووداعًا للسلاح، إن التوغل في العمر يصحبه توغل في العزلة، والتفسير المنطقي لرأيه يمكننا توضيحه في أن الطاقة الإنتاجية للكاتب تضعف في الشيخوخة، ولا يستطيع معها الكتابة والقراءة لفترة طويلة، كما كان يفعل سابقا، فيضيق عليه الوقت. 

والشيخوخة هي مرحلة التأمل والتبصر في أمور الحياة ومرحلة انحسار العلاقات الاجتماعية. ولا أحد يطلب من الكاتب مغادرة عزلته الاختيارية إذا كانت مقرونة بالإنجاز، فقد تسفر هذه العزلة عن كتاب ذي أهمية يقدمه للقارئ، كما فعل الفيلسوف أبوحامد الغزالي. لكن كيف يوفق الكاتب بين حاجته للعزلة وحاجته لاكتساب الخبرة في الحياة؟ قد لا يحتاج الكاتب للعزلة الطويلة في المرحلة الأولى والوسطى من حياته، ففي هذه الفترة تتكون خبرته في الحياة، وكلما ازداد خبرة ازداد كتابة، وهو في مقتبل العمر ووسطه يمتلك القدرة على جمع الكتابة واكتساب خبرات جديدة، وذلك لا يتحصل للكاتب في الشيخوخة. 

وبشكل عام فعزلة الكاتب هي شكل من أشكال الاندماج، ففي العزلة تنشط المخيلة وينشغل الكاتب بالبحث عن الدلالات الداخلية العميقة للظواهر التي أمامه. وفي العزلة يتوافر للكاتب وقت أطول للتفكير في تفاصيل العمل الإبداعي قيد الإنجاز ومراجعة النصوص المكتوبة، والتفكير في فصول جديدة، وكان الكاتب التشيكي فرانز كافكا هو أحد أشهر الكتاب الذين فضلوا العزلة واختاروها ليتفرغوا للكتابة، حيث رفض الزواج لكي لا تشغله الأعباء العائلية عن الكتابة، وفسخ خطوبته من حبيبته فيليس مرتين خوفًا من أعباء العائلة، وفي رسالة كتبها إلى حبيبته يصوّر لها مصيرها في الزواج من شخص يقرأ ويكتب طول الوقت وهو منعزل في غرفته، إلا أن العزلة منحته ومنحتنا أعدادًا قليلة من الكتب التي أصبحت بعد موته إحدى أهم نتاجات الأدب في العالم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها