النسخة الورقية
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

الملتقى الثقافي في قهوة بوخلف بالمحرق

رابط مختصر
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440

في رحلة التنقيب عن الإرث الثقافي في مدينة المحرق القديمة استوقفتني قبل أشهر عملية إغلاق وهدم قهوة بوخلف الأثرية، القهوة التي أسسها خلف بن عبدالله بوخلف حين استأجر دكانًا صغيرًا في عمارة راشد بن علي راشد فخرو التي أصبحت اليوم معلمًا أثريًا.

قبل الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا في العام 1937، افتتح بوخلف القهوة التي تقع بسوق المحرق القديم خلف حلويات حسين بن محمد شويطر ومبنى بلدية المحرق، وبالقرب من القهوة محل حجي رضي الذي يبيع الخضروات والفواكه، ومحل عبدالعزيز البناء ومحل أمرالله الذي يبيع المواد الغذائية، وكانت القهوة تقدم الشاي الأحمر (السنقين) و(النخي) والباقلاء والشاي بالحليب والروب البلدي الذي يقوم صاحب القهوة بتصنيعه بنفسه، إذ يملك مجموعة من البقر في (زريبة) منزله، وكان يقدم (القدو) لهواة التدخين، وكان يجلب نوع التتن (التبغ) لكل تاجر نوعه المفضّل، ومن أنواع التتن العُماني والإيراني باسم (بافيري)، ومن الأعراف بالقهوة أن يتم تسجيل الحساب على الطوفة (الجدار) لتجار السوق، ويكتب باستخدام الفحم الأسود حين الإغلاق بعد صلاة المغرب.

وتميزت قهوة بوخلف ببساطتها وتراثها القديم وحضور البحرينيين من مثقفين وتجار ورياضيين وغيرهم، ومن أبرز روادها عبدالله بن أحمد النعيمي، ولديه «بشتخته» وبعض أدوات الغوص ودفتر الحساب، ويقوم بعملية (التسقام) إلى البحارة، وهو إعطاؤهم المبالغ لشراء حاجات البيت قبل الخروج لرحلة الغوص، وكذلك من رواد القهوة صالح بن خنفر من حالة النعيم والسلطة وحسن بن حبل من حالة بوماهر، ولكن الأكثر حضورًا في القهوة كان أهل عُمان الذين أسهموا في بناء البحرين، وفي فترة الصيف يدخلون الغوص مع أهل البلد، ويكونون بالقهوة للحديث والترويح عن النفس، وكان البعض منهم يأتي على دراجته الهوائية التي يضع عليها جهاز التسجيل، وقد سافر الكثير منهم بداية السبعينات، وبقي البعض الآخر بعد أن تزوج في البحرين واستقرت أحواله.

وكان صاحب القهوة لديه 10 تريكات (مصابيح) تعمل على (القاز) الكيروسين، ويقوم بتأجيرها للأفراح، ومع أنها قهوة إلا أن صاحبها يجلب القهوة من صالح المقهوي الذي يعملها في دكانه الذي يقع بالقرب من القهوة.

بداية الخمسينات من القرن الماضي دخل جهاز الراديو (المذياع) على القهوة وكان الناس حينها يستمعون الى الإذاعات العربية، فالكثير ينتظر خطاب الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر، وقد تم إغلاق العمارة والقهوة أيام الحرب العالمية الثانية، ولكن عادت بعد فترة لتواصل عملها، وقد تم بناء سينما المحرق فكان رواد السينما يجلسون في القهوة انتظارًا لموعد الأفلام العربية والهندية والأمريكية، ثم يعودون إلى القهوة للحديث عن تلك الأفلام.

كان عمل صاحب القهوة بوخلف لا يقتصر على رواد القهوة، بل يقوم بتوصيل الطلبات إلى الجبرات (الأسواق) المجاورة، مثل سوق اللحم وسوق السمك والمقصد وسوق الفواكه والخضرة والأعلاف والمحلات المجاورة، فيحمل صينية الشاي وكؤوس الماء إلى أماكنهم وقد لبس الثوب وربط الإزار ووضع القحفية (الطاقية) على الرأس، وكان سعر استكانة الشاي حينها قرابة «بيزة»، ومجمل الدخل اليومي تقريبًا 18 روبية، ويُعد الدخل مناسبًا لمستوى المعيشة حينها.

وبعد أن تُوفي صاحبها خلف بن عبدالله بوخلف في العام 2003 استلمها ابنه الوحيد عبدالله الذي قام بها وطوّرها وشارك في المهرجانات الوطنية، وقدم الكثير من الخدمات، وحافظ على سجلها التراثي، وقد زار القهوة سمو رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة، وأمير المنطقة الشرقية الأمير محمد بن فهد آل سعود، ووزير الإعلام الأسبق طارق المؤيد، ووزير الكهرباء الكويتي عبدالله الغانم.

ولكن مع الأسف الشديد تم إغلاق القهوة ومن ثم هدمها في مارس 2019، وتفرّق روادها الذين كانوا يزورونها بعد صلاة الفجر وبالمساء، ولكن بقي الشيء القليل من ذلك الإرث الثقافي والذكريات الجميلة لزمن الطيبين، حين افتتح عبدالله بوخلف قهوة أخرى بالاسم نفسه، وهي في حديقة بلدية المحرق، لتحكي للأجيال القادمة قصة بناء مدينة المحرق القديمة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها