النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

النرويج.. حصاد خطاب الكراهية

رابط مختصر
العدد 11090 الثلاثاء 20 أغسطس 2019 الموافق 19 ذو الحجة 1440

وقت كتابة هذه السطور كانت الشرطة النرويجية تعلن أن ما جرى في أحد مساجد أوسلو العاصمة النرويجية، من هجوم، هو حادث إرهابي، ناتج عن تصرف يميني متطرف.

ربح خطاب الكراهية في النرويج مرة جديدة، ولو قدر للمهاجم أن يدلف إلى داخل المسجد لربما سقط ضحايا كُثر، لولا شجاعة من مُصلٍّ سبعيني استطاع التصدي للإرهابي صاحب المسدس والبندقيتين، ما يحاكي إرهابيي مدينة كرايستشيرش في نيوزيلندا قبل عدة أشهر.

أين الخطأ، وهل الأمر حادثة جديدة أم إرهاصات كارثة أوروبية، وعولمية، سيما أنها جاءت بعد أقل من أسبوعين من هجمات تكساس وأوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية؟

إنها الكراهية في كل الأحوال، تلك التي تطفو على السطح بملامح ومعالم دينية تارة كما في حالة الإسلاموفوبيا في أوروبا، وتتبدى للناظر انطلاقًا من العِرق تارة أخرى كما الشاب الأمريكي الساعي إلى الخلاص من اللاتينيين، حيث يرى فيهم مهددًا لتفوق الرجل الأبيض.

هل هي عودة مقنعة لزمن الفاشية والنازية مرة أخرى؟

أخطأت النرويج كما عموم أوروبا في قراءة علامات الأزمنة، لا سيما منذ مجزرة أوسلو التي ارتكبها أندرس بريفيك في 22 يوليو (تموز) 2011 وراح ضحيتها العشرات، وذلك عندما اعتقدت أن البيان الذي تركه في ألف ورقة، توجه يخصه بذاته، ولم تميز أنه تيار قاتل من أحادية التوجه الفكري، ذلك المرض العقلي العُضال الذي يتوهم صاحبه أن الحقيقة المطلقة هي ملك يديه، وأن الآخر ليس إلا الجحيم، كما أشار إلى ذلك ذات مرة في ستينات القرن الماضي الفيلسوف الفرنسي الوجودي الأشهر جان بول سارتر.

في أعقاب مذبحة أوسلو قبل ثماني سنوات حذر وزير الخارجية النرويجي وقتها، إسبن بارت، من تنامي الأحزاب اليمينية المتطرفة في بلاده خاصة، وفي أوروبا بوجه عام، واستند في تحذيره إلى ركائز عقلانية تدعو لفتح النقاش الواسع حول الطاعون الفكري الجديد الذي يضرب أوروبا، فقد ذهب بريفيك إلى أن المتطرف الإرهابي النرويجي استهدف أشخاصًا ومؤسسات تكافح العنصرية وكراهية الأجانب.

هي الكارثة وليست الحادثة، وهو أمر متوقع ومن أسف سوف تتزايد نوعية تلك الحوادث طالما وجد هناك من يكتب في سياقات الحث على البغض والترويج للعداء، ونشر الرؤى والتنظيرات التي تجعل من الواقع جحيمًا مقيمًا، ومن عينة تلك الكتابات، ما ضمنه الفرنسي رينو كامو في كتابه المثير للجدل «الاستبدال العظيم»، الذي هو الوجه المؤدلج لفكرة «أسلمة أوروبا»، أي تفريغها من محتواها الديموغرافي المسيحي واليهودي واستبدالهما من خلال المسلمين، عبر التمكين البطيء شيئًا فشيئًا.

في هذا الإطار، لا يعد غريبًا أو عجيبًا أن يصب المتطرفون من أهل اليمين جام غضبهم وأحقادهم على رؤوس المسلمين واليهود، الغجر والأقليات الاجتماعية المختلفة، بدعوى الاحتفاظ بالنقاء العرقي، وحماية أنفسهم وأبنائهم من التلوث بالاختلاط مع الآخرين.

لم يكن بيان بريفيك أفكارًا مضللة من شخص موتور أو فاقد للرشد، إذ تثبت لنا الأحداث المتصاعدة أوروبيًا كل يوم أن هناك سمات أيديولوجية سياسية تعكس بدقة النقاش الانعزالي الذي تعيشه أوروبا، والمتمثل في تصاعد المد الشعبوي الأوروبي، وتنامي القوميات الضارة، والعودة إلى رفع رايات الهويات المتباينة تارة والمتقاتلة تارة أخرى.

حين تعلو نبرة نقاء الجنس فإننا إزاء عودة جديدة إلى قصة الشعب الآري، أي النموذج النازي، ذاك الذي كبّد أوروبا والعالم أكثر من سبعين مليون قتيل، وست سنوات من الحرب الضروس التي أهلكت الزرع والضرع.

عقلاء أوروبا من أصحاب الضمائر الحية تنبهوا جليًا لما فات النرويج أن تدركه، وفي مقدم هؤلاء يأتي البابا فرنسيس بابا روما، ولعله من مصادفات القدر أن يتحدث إلى صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية قبل وقوع حادث أوسلو الأخير بأقل من ثمانٍ وأربعين ساعة، محذرًا مما سماه النزعة السيادية المبالغة التي تقود إلى الحروب.

في حديثه يؤكد بابا الفاتيكان أن أوروبا أمام «خطابات تشبه خطابات هتلر سنة 1934»، أي «نحن أولاً»، و«يوجه نقدًا لاذعًا لأفكار الشعبوية التي تريد أن تفرض توجهاتها على الآخرين وصولاً إلى مرحلة التسيد ثم التسلط»، وهي أفكار في غالب الظن ستقود إلى نهج توتاليتاري قاتل كان عند نقطة زمنية يمثل استرجاعه ذهنيًا خوفًا رهيبًا لأوروبا والأوروبيين، والآن بات واقعًا متجسّدًا في أشخاص لا قِبلَ لهم بقبول الآخر أو التعايش معه.

يخشى المرء أن تكون ينابيع الغمر العظيم، المتمثلة في وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، قادرة على تحويل العالم الآمن المطمئن إلى دروب من القلق في النهار والأرق في الليل، فالتحقيقات النرويجية أشارت إلى أن الشاب كان يرتاد مواقع اليمين المتطرف على الإنترنت، لا سيما عبر الجزء المظلم فيه الذي لا يرتاده إلا دعاة الإثم والعدوان...

من ينقذ عالمنا من خطاب الكراهية هذا؟

 

(الشرق الأوسط)

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها