النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

الكل ضد الكل: حول الوضع العربي الآيل للسقوط...!

رابط مختصر
العدد 11089 الإثنين 19 أغسطس 2019 الموافق 18 ذو الحجة 1440

أرسل لي أحد الأصدقاء المحترمين نسخة إلكترونية من مقال لأحد الكتاب (لم يسبق أن قرأت له شيئا خلال الأربعين سنة التي أمضيتها في الكتابة الصحفية)، يحلل ويناقش تحولات الوضع السياسي في بلد عربي محدد يشهد تحولات سياسية. وأبدى الصديق استغرابه الشديد من هذا النوع الرائج من الكتابة التي تقوم على نزعة عدمية سلبية استثنائية في لغتها وفي الدعوة إلى الفوضى.

 فكتبت له التعقيب الآتي:

- بغض النظر عن نوعية الاستنتاجات والمنطلقات في التنظير والتحليل، فإن اللافت في الأمر أن هذا المقال يعكس حالة غريبة باتت تنتشر بين أوساط بعض النخب السياسية والإعلامية العربية، يمكن أن نطلق عليها مسمى (أيديولوجية: ضد كل شيء)، أي ضد السياسة والسياسيين وضد الأحزاب والجمعيات، وضد الحوار وضد التوافق وضد الدينيين وضد العلمانيين، وضد اليساريين والقوميين وضد الليبرالية والليبراليين. وباختصار ضد كل شيء تقريبا. العلمانيون ضد الإسلاميين، الليبراليون ضد السلفيين، المسلمون ضد المسيحيين، الجنوب ضد الشمال، هذه الطائفة ضد تلك الطائفة، وهكذا الكل ضد الكل وضد كل شيء تقريبا. وكأنما الوضع السياسي العربي الطبيعي يجب أن يكون حرب الكل ضد الكل وبلا هوادة. فهذه النظرية -إن صح وصفها بذلك- تجمع بين جلد الذات وبين النظرة السوداوية اليائسة، وبين الدعوة إلى قلب الأوضاع جملة وتفصيلا؛ «لأنه لا أمل في تطويرها أو إصلاحها بأية صورة من الصور»، على حد قول صاحب المقال.

وبالرغم من أن هذا المنظور قد يكون محقا في بعض التوصيفات الجزئية المتعلقة بالوضع العربي المهترئ والآيل للسقوط، ما يدعو إلى الغضب والحنق، فإن هذا المنظور المتنامي يعكس حالة تسيب لغوي وسياسي غير منضبط، في اتجاه سلبي لا يفيد في شيء، بل يعزز ويكرس حالة الغيبوبة والاستسلام للأوضاع الكارثية التي تحياها شعوب عديدة في أكثر من بلد؛ لأنه لا يقترح حلولا غير قابلة للتنفيذ. 

 قال الصديق:

إن مثل هذا النوع من الكتابة الهامشية مخيف -بالرغم من هامشيته- لأنه يدعو صراحة إلى نوع من الفوضى كحل للحالة المزرية التي يحياها المواطن في عدد من البلاد العربية بوجه عام، من خلال تكديسه غير المنضبط لمعجم لغوي هائل من العبارات والألفاظ غير المتجانسة (وغير المؤصلة مصطلحيا) من أجل توصيف الواقع العربي. والنزوع إلى تضخيم اللغة من دون أن يتقدم فكرا أو رؤية أو درسا، على صعيد فهم هذا الواقع وتحديد عوامل إفرازه وقابليته للامتداد في المستقبل. وهو في النهاية لا يقدم معرفة، بل خطابا أيديولوجيا اعتراضيا يائسا، ومضطربا تتخلله تطلعات لا ضمانة لها.

صحيح أننا، وبدرجات متفاوتة وبمسؤوليات متفاوتة، ضالعون في الأزمة الحضارية التي وقعنا فيها في البلاد العربية، بما في ذلك المعترضون على اليمين الليبيرالي (الديني والبراجماتي)، إذ الأطر المرجعية والأولويات والبرامج ونماذج الممارسة السياسية والنخب النشطة منقطعة عن السياق، ومتمركزة حول عقائدها ومصالحها واصطفافاتها الحزبية والأيديولوجية وحتى الطائفية والمناطقية والعشائرية وغيرها من الاصطفافات المضعفة لكيان الأمة والمنهكة للجميع والمخربة لإمكانات بناء المواطنة، ولكن هذا الوضع يحتاج -من أجل تجاوزه- إلى رؤى عملية واقعية قادرة على التجاوز والنهوض مجددا بكيان الأمة المرهقة الضائعة، أما الاكتفاء بصب جام الغضب على (الدولة العربية) بلغة تحطيمية، فلا أعتقد أنه سيفيد أو يساعد على التقدم بنا نحو أفق مفرح؛ وذلك لأن ما تتعرض له الدولة (بوصفها آلة منظومية مدنية تعمل من أجل أهداف وطنية ذات أولوية طبقا لقواعد ذات علوية وموارد وكفاءات، من محاولات تقويض وتخريب وإنهاك هو أخطر -في تقديري- من الضرر الذي لحق بالناس، إذ الأزمات جزء من تجارب الشعوب، تتعامل معها وتتجاوزها مهما كان الثمن، لكن ضرب وتخريب آلة الخروج من هذه الأزمات (وهي الدولة) لا يبدو لي حلا مناسبا، يساعد على أي نوع من التقدم على طريق الإصلاح أو التجاوز. فيكون حالنا مثل المهدد بالغرق في النهر، يسعى إلى تخريب طوق النجاة الوحيد المتبقي له. فالمخدوعون يعتقدون امتلاك حلول بوفرة عددهم والمغامرون يسعون إلى الحصول على مناصب، مهما كان الثمن، والمسعورون ليس لهم إلا خطب لتأجيج معارك شخصية وفئوية، من دون البحث في أهدافها، وهؤلاء هم أنصار الثورة الدائمة. ولكن قاعدة واحدة تسود الوضع: وهو غياب الحكم، مع التأكيد المحزن أن بعض الخائضين في مجال السياسة أو الكتابة السياسية لا ينتمون إلى أي فكر حقيقي، بل يخوضون مع الخائضين، ويحاولون لفت الانتباه بإثارة الزوابع والغبار من دون أي مضمون فكري أو سياسي جاد، فالغوغائية متعتهم، يقزّمون جميع من يختلف معهم في الرأي، نفس الوجوه تدور في حلقة مفرغة، تردد نفس العبارات والشعارات والصياغات والاتهامات. نفس الوجوه، نفس الأسماء، نفس الألقاب والكلمات والعناوين من أكثر من نصف قرن دون تغيير. تختفي دون أن تترك على الأرض أثرًا... أغلب الظنّ أنها تؤسس لدير جديد لا يمكن أن ننتظر فيه ذرية، دير العقم الأبدي، المتولد عن العقم الفكري والسياسي. مصابون بالصمم لا يقرأون غير ما يكتبون، ولا يسمعون إلا أصواتهم، ولا يناقشون غير أفكارهم، لا يشعرون بوجود الأشياء من حولهم نتيجة التضخم التي يتملكهم. يؤثرون الحلول العدمية في مواجهة الحل العقلاني، يصنفون أنفسهم زعماء، ويضعون أنفسهم على سلم درجات القداسة غير القابلة للخدش والمس.

 قلت خاتمًا:

- إن نسق القيم الذي نشأ ونما مع نشوء ونمو الشعور الوطني والقومي والإنساني التحرري، يتعرض اليوم للانهيار في الحياة العامة، وفي الإعلام، في السلوك، في تبادل الأحاديث ورسائل البريد وبريد الرسائل من خلال انفصال المعرفة عن الأخلاق وعن قضايا الناس والمجتمع، وبالانفصال عن العقلانية وعن النزعات الوطنية والقومية والهوية والتراجع عن الثوابت المستقرة. وهذا وجه واحد من تلك المشكلة والبقية تعرفها كما يعرفها الناس أجمعين تقريبا!

همس 

انتظر كل مساء لحظة الغروب.

أبحث في الحلم عن بقايا صورة.

لا تلتفتي إلى المرايا لا تلتفتي،

فالنهر يغيب لحظة الرؤيا،

والغيمة المسافرة لا تنتظر.

أتذكرين الرحلة وطيور السنونو

وأجنحتها التي لا تطير؟

وكيف أضعتك في زحمة الليل وحيدة؟

والزنبقة القصية التي غادرت مسرعة.

أتذكرين؟

تعبت من رحلة الانتظار لا تنتهي.

ومن غد لا يأتي، وانت الغياب الوحيد.

تعبت من دروب بلا محطة، ولا رياحين،

لحظة الغروب...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها