النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

خـــــيري شـــــــلبي

رابط مختصر
العدد 11087 السبت 17 أغسطس 2019 الموافق 16 ذو الحجة 1440

كانت حياة المبدع خيري شلبي رواية مدهشة ثرية بالخبرات والتجارب التي تضيق بها حياة فرد واحد، ما انعكس على غزارة اعماله وثراء عوالمها، هذا ما تحدث به صديق عمره القاص ابراهيم اصلان في مقابلة اجرتها معه القناة الالمانية (dw) في سبتمبر 2011 العام الذي توفي فيه شلبي الملقب بـ(وتد الرواية المصرية).

يقول اصلان انه كان يخشى بشدة المستقبل - وخاصة بعد حالة الارتباك.. نحن نعيش في حالة من الالغاز، وبدأنا نتأقلم مع هذا الوضع.. وللاسف فصيل، مثل فصيل الاخوان المسلمين اطمأن إلى ان الامور قد اصبحت مهيأة بالنسبة له فتخلى عن رفاق الثورة تقريباً وعن الذين قاموا بها. وعندما يخرج الناس ليطالبوا بتصحيح المسيرة فإنهم لا يخرجون معهم، مع ان تصحيح المسيرة اصبح فرض عين، ثم تفاجأ - وهو يعني شلبي - بهذه الجحافل من السلفين الذين لا تعرف من الذين اخرجهم؛ فطبعاً هناك خوف من ان تصبح مصر دولة دينية، مصر لا يمكن ان تكون طالبان او افغانستان، هذا لا يتواءم مع الحالة التاريخية بشكل عام، ولا مع تكوين المواطن بشكل عام، المصريون اكثر شعوب الدنيا تديناً.

المصري متدين ولكنه يحب الحياة، متدين في النور، وليس في العتمة، كما لا يمكن الاستهانة بكتائب لا اول ولا آخر من الليبراليين والمستنيرين الذين يتطلعون الى دولة تصون حقوق المواطن وكرامته وتمنحه حريته، هذه قوة لا يستهان بها على الاطلاق، مخاوف خيري شلبي مشروعة، لأنه كان يرى أن هذا إن حصل فستكون نهاية سوداء بالنسبة لمصر.

روايات خيري شلبي تنبض بالحياة، ومن طالع روايته البديعة «موال البيات والنوم» أو روايته المشهورة «وكالة عطية» او «صالح هيصة» يعرف انه لم يكن يكتب من وحي الخيال، بل من قلب الحياة، وبالتالي كيف كانت مكانة شلبي في الأدب المصري المعاصر؟ ولماذا تجاهله النقد؟

لم يكن - كما يقول اصلان - شلبي سواء حالة خاصة جداً يكتب بكل عنفوانه، ورغم هذا عاش طوال الوقت وهو ينتوي كتابه روايات أخرى، وطوال الوقت كان يتحدث عن مشاريع روائية جديدة، خيري اضافة بالغة الاهمية والقيمة للرواية العربية «في السنوات الاخيرة تم الاعتراف به، وكان من المتصدرين للمشهد الثقافي».

لم يكن مترجم خيري شلبي على دراية بالثقافة المصرية - ليست الثقافة المكتوبة - بل يجب ان تكون لديه القدرة على إدراك تفاصيل الحياة المصرية حتى يفهم اعمال شلبي التي هي تعبر عن خصائص شعبية، وهو احد الاسباب التي ضيقت الفرصة امام ترجمة اعماله، ليس هناك من المترجمين سوى قلائل من يستطيعون ان نقلوا أعمالاً مثل أعمال خيري شلبي، الدليل على هذا ان نجيب محفوظ نفسه قبل نوبل لم يكن قد ترجم بشكل كافٍ.

ويعني بذلك لابد ان يكون المترجم - وهذا ينطبق على أي مترجم، وليس على مترجم خيري شلبي فقط - على معرفة بالثقافة بمفهومها الاوسع، وبالعادات والبيئة التي يترجم عنها، هناك مترجمون اجانب لم يعيشوا الحياة العربية، وبالرغم من ذلك قاموا بأعمال الترجمة.. هناك عامل آخر بالنسبة لشلبي وهو ان معظم اعماله مطولة وهذا لا يغري المترجمين.

واذا ما توغلنا في ابداعات الاديب خيري شلبي فإنه من الاهمية بمكان الاشارة إلى ما ذكره الكاتب عبدالرحمن بدوي في موقع «بوابة الاهرام» بأن شلبي المولود عام 1938 يُعد من اوائل من كتبوا ما يسمى الآن «الواقعية السحرية»، ففي أدبه الروائي تشخيص المادة وتتحول إلى كائنات حية تعيش وتخضع لتغيرات وتؤثر وتتأثر، وتتحدث الاطيار والاشجار والحيوانات والحشرات وكل ما يدب على الارض، حيث يصل الواقع إلى مستوى الاسطورة، وتنزل الاسطورة إلى الواقع.

لم تمنعه الصحافة من انجاز 70 كتابًا، بل اعانته عليها، فعلى عكس ادباء جيله ومن سبقوه الذين كانوا يؤمنون بأن الصحافة تأكل الاديب وتضيع وقته وتسطحه كان هو يقول «اشتغالي بالصحافة اعانني على الأدب».

عمل خيري شلبي في حرف عدة وعن ذلك يقول: عندما انتقلت للدراسة في معهد المعلمين اصبحت طالبًا مرموقاً في القرية، وبالتالي أصبح من العار ان اعمل مع عمال التراحيل لذلك اتجهت لتعلم حرفة شأن اقراني في القرية، تعلمت الخياطة والنجارة وسمكرة بوابير الغاز، كما عملت كواء، استطيع هذه اللحظة ان احيك قمصاني اذا لزم الامر، كما عملت بائعاً سريحاً احمل حقيبة ملأى بنحوه 50 كيلوجرامًا من المنظفات ادور بها على المحلات لكي اكسب خمسة قروش في اليوم، ثم تمردت على هذا العمل لابيع الامشاط والغلايات وعلب الكبريت وابر الخياطة في الترامات.

برغم ان السينما والتلفزيون تناولا بعضاً من رواياته، فإنه كان يرى نفسه ضيقاً عليهما، كما كان يرى انه لا تعارض في ان يكتب الشعر والرواية وادب الرحلات والمقالات الصحفية.

وعندما نتحدث عن المبدع شلبي فلابد من التطرق إلى ما كتبه الناقد حاتم حافظ: ان كانت كل رواية يكتبها كاتب تضاف إلى مسيرته الادبية فإن خيري شلبي في تصوري أدب قائم بذاته، ربما لانه اكثر جيله انتاجاً، وربما لان ادبه يتنوع في اشكاله وطروحاته بصورة كبيرة، فغالباً لا يتكرر شكل او موضوع في روايتين، فالذي يقرأ «فرعان من الصبار» و«منامات عم احمد السماك» و«وكالة عطية» و«صالح هيصة» قد لا يصدق انها نتاج قريحة الاديب ذاته، وفي تصوري ان تسكين شلبي في خانة «أدب المهمشين» قد ظلمه إلى حد كبير، لا لانه لا يكتب عن المهمشين ولكن لانه في كتاباته عن «المهمشين» قد تجاوز المفهوم المباشر لما هو مهمش، واطلقه في مساحات اكثر رحابة فهو يكتب لا عن المهمش فحسب، وانما عن المهمش في الذات البشرية.

يستكشف خيري هذا المهمش فإذا به هو الركن الركين في الشخصية وما تهميشه الا من قبيل عدم الوعي به، أو رفضه من ملامح شخصياتنا، او خوفاً من ان يكون صفحة مقروءة او لقمة سائقة لدى بشر يعيشون كأنهم يسوا بشراً.

ولعل أكثر ما يميز أدب خيري شلبي هو ان شخصياته معجون باللحم والدم الانسانيين اكثر مما ينبغي، ولعل حميمية حضورها تكتسب كثافة تفوق ما لدى اشخاص نعرفهم ويعرفوننا ويملأون الارض صخباً وضجيجاً.

وترى الناقدة الدكتورة أماني فؤاد حين تنهي قراءة أحد مؤلفات الروائي خيري شلبي يتجسد حولك اناس لا يفارقونك يتركون آثاراً غائرة في الوجدان، تتشاركون في المناقشات السياسية والادبية، تتناولون الطعام معاً، تتندرون على الحياة، تسخرون منها في احدى السهرات، أو على احد المقاهي الثقافية، يجوبون الشوارع معك ويمنحون الاماكن حياة، شخوصه الذي يتجسدون بقلمه لا ينحبسون ويستقرون بين دفتي الكتاب حين تغلقه.

ترجمت معظم أعماله إلى الروسية والصينية والانجليزية والفرنسية والاوردية والعبرية والايطالية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها