النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

في صحبة الكتابة (3)

رابط مختصر
العدد 11087 السبت 17 أغسطس 2019 الموافق 16 ذو الحجة 1440

من الصعب أن يعيش الكاتب في مجتمع جله لا يقرأ، فذلك يعرضه إلى إحباطات مضاعفة لا يواجهها الكاتب في المجتمعات التي تقرأ، ورغم ذلك فالكاتب لا يستطيع أن يهجر الكتابة لهذا السبب أو لأي سبب آخر، وهو مستعد لتقديم تضحيات كبيرة للكتابة، فهو يتنفس من خلالها، ويطيب عيشه بها. 

الروائي الكولومبي جارسيا ماركيز صاحب جائزة نوبل (1982) ورواية مائة عام من العزلة يقول إن في الكتابة جاذبية لا يعرف أسبابها تدفع الكاتب إلى مواجهة الموت من أجلها، وكاتب آخر يقول: بالكتابة نهزم الموت، فالكتابة تزرع الحياة، فإذا كانت الكتابة متميزة دخل صاحبها في محفل الخالدين، والكتابة تساعد الكاتب على مقاومة أشكال الاضطهاد التي يتلقاها الإنسان في الأنظمة الاستبدادية. 

فهناك إذن أسباب كثيرة أخرى تدفع الكاتب للاستمرار في الكتابة تحت كل الظروف، ولذلك أيضا فانصراف الناس عن القراءة لا يثني عزمه عن صحبتها والاستمرار فيها. كما أن الكتابة هي مهنة البشر القلقين، والقلق يصاحب الكاتب ويتبعه كظله، ويصبح سببا للإجادة والمصداقية، فهو يكتب (مع القلق) عن معاناة شديدة، وبانفعال كبير، والكاتب مخلوق غاضب غير مستقر، وغضبه ناتج عن تهميشه وعدم رضاه بالأوضاع المزرية للبشر الذين يعانون، وأشكال الظلم والفساد الذي يحيطه، وكما نرى ففي هذه الحياة هناك أسباب كثيرة تدعو الكاتب للغضب والقلق والانفعال، وهو يعتبر هذه الرزايا السيئة القائمة في مجتمعه وفي العالم هو شأن يخصه كإنسان، ويحمله مسؤولية التصدي لهذا الخلل بالكتابة، فهو يعرف قوة الكتابة وأثرها في الحياة، في إنجاز تواريخ جديدة ومجتمعات أكثر عدلا، وأقل قبحا وفسادا. والقلق عند الكاتب هو مرجل الكتابة ومصنعها، وهو الوجه الآخر للألم؛ ألم الولادة، ولادة عالم جديد في خياله، هو أشبه بالحلم البعيد لكنه قابل للتحقق في النهاية. 

وكل كاتب هو إنسان قلق بامتياز، وحالم بامتياز، لا تعرف نفسه الهدوء والاستقرار، وهو متورط بالأسئلة الكبيرة في الحياة، في الوجود المليء بالأسرار والمدهشات والغربة والغرابة، والشعور بالاغتراب هو طبع أصيل في الكاتب، فهو دائم الشعور بابتعاد المجتمع عنه، فما يفكر فيه لا تفكر فيه الأغلبية، ما يشعره بالعزلة النفسية، وتكبر مسافات الاغتراب في المجتمعات التي تعيش في الماضي، كالمجتمعات العربية، وأول أسباب اغترابه الإهمال الذي يناله من الدولة والمجتمع، وكان هذا الاغتراب والإحباط سببًا كافيًا للأديب الفيلسوف أبوحيان التوحيدي الذي كان من أبرز أدباء وفلاسفة القرن العاشر الميلادي، ليجمع كتبه ويقوم بحرقها، وهو في حالة من الإحباط واليأس، فقد عانى من الفقر وشظف العيش والتهميش والاضطهاد، وقال يصف حاله: «لقد أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخِل، مستأنسًا بالوحشة، قانعًا بالوحدة، معتادًا للصمت، ملازمًا للحيرة، محتملاً للأذى، يائسًا». وكان التوحيدي ذا أسلوب جميل ولغة غزيرة، ومن مؤلفاته كتاب الإمتاع والمؤانسة، والإشارات الإلهية، والمقابسات، ولا يزال أبوحيان حاضرا في زمننا بما أورثه لنا من مؤلفات تصور زمانه خير تصوير.

ومازال الأدباء والكتاب في عالمنا العربي في القرن الحادي والعشرين يعانون ما عاناه أبوحيان التوحيدي في القرن العاشر، رغم أنهم يريدون إصلاح المجتمع، فداخل كل كاتب مصلح كبير يحركه ويدفعه للاستمرار في الكتابة، فأوجاع الآخرين المتعددة هي أوجاعه الشخصية، وكل هذه الأمور تتحول في الداخل إلى وقود لا ينفذ، يلهب شظايا الكتابة، وكأن الحياة تكافئ الكاتب على هذه المعاناة بالكتابة المؤثرة التي غالبا ما تأتي صادقة ومتوقدة، ورغم إحساس الكاتب بالاغتراب إلا أنه لا يستطيع أن يعزل نفسه عن محيطه، فهو يهتم بالتواصل مع هذا المحيط بالكتابة، وهو تواصل عميق مكتنز بما يؤرقه ويؤرق المجتمع، فالكتابة بهذه الصفة، هي وسيلته الأساسية للاندماج بالمحيط، وهو اندماج جارف وشامل ومتعدد، ومن المثير والغريب أن الكاتب قد يحتاج إلى هذه العزلة للاندماج أكثر، وهذه إحدى مفارقات الكتابة، ففي العزلة يستطيع الكاتب أن يرى التفاصيل الصغيرة للمشهد العام للحياة.

يقول الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد صاحب ثلاثية (لا أحد ينام في الإسكندرية) إن «الكتابة هي وطني والحياة منفاي»، وفي مكان آخر يقول: «وطني هو ما أكتبه لا ما أراه»، فالكتابة تمسح كل التشوهات التي في الوطن، وتخلق لنا وطنا جديدا جميلا وعادلا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها