النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

البحث عن وليد مفقود:

عندما يضيق الفضاء بالصحافة الساخرة

رابط مختصر
العدد 11084 الأربعاء 14 أغسطس 2019 الموافق 13 ذو الحجة 1440

سألني أحد الزملاء: لماذا تنتشر الصحافة الساخرة في الغرب وتلقي رواجا كبيرا ولافتا، فيما تبقى في العالم العربي منزوية ذابلة بل تكاد تكون ميتة؟ 

قلت للصديق: 

هذه ملاحظة صحيحة مائة في المائة، فهذا النوع من الصحافة يشهد في الغرب انتشارا منقطع النظير، كما يحظى باحترام القراء ويتابعها الملايين، ويثير خوف رجال السياسة والمشاهير والفاسدين بوجه خاص. وما أزال شخصيا احتفظ إلى اليوم في أرشيفي الصحفي بنسخ قديمة من الصحيفة الأسبوعية الفرنسية الساخرة الأكثر شهرة (Le Canard enchaîné- البطة المسلسلة)، والتي تأسست في عام 1915 خلال الحرب العالمية الأولى، وهي صحيفة تقوم على الرسوم الكاريكاتورية الهزلية والكتابة الساخرة من رجال السياسة ورجال الأعمال والمشاهير وغيرهم، وتطارد الفساد والفاسدين في المجتمع الفرنسي وفي العالم، ويطبع منها اليوم حوالي نصف مليون نسخة أسبوعيا. وبالرغم من الصعوبات التي تواجهها الصحافة الورقية في فرنسا وفي العالم، فإن هذه الصحيفة ما تزال صامدة بعد أكثر ما قرن من الزمان، ومنتعشة ناجحة ومؤثرة.

أما لماذا الصحافة الساخرة عندهم منتشرة وعندنا ميتة، فالرد بكل بساطة لأن الصحافة عامة عندهم سلطة حقيقية هادفة إلى درجة أنها تقيم الدنيا ولا تقعدها، وتثير الغبار من حولها، فتسقط المافيات وتذهب النوم من جفون اللصوص والفاسدين والسُّرّاق داخل المجتمع. والصحافة الساخرة عندهم، بعد ذلك، تشيع البهجة والسرور في النفوس، وتعيد الثقة في الحس الإنساني الناقد القادر على رفض المساوئ والقبح ومقاومة الشر. أما عندنا فالأمر مختلف، فمن عجائب الأمور أننا قتلنا الصحافة الساخرة وضيقنا المساحات أمامها حتى اختنقت. فلا صحافة ساخرة عندنا إلا بعض المحاولات المحتشمة رغم امتلاء حياتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بما يثير السخرية والضحك والسخط. وبقدر ما تزخر حياتنا بهذا الكم الهائل من الروح الناقدة والساخرة، وبقدر ما يرسم الناس البسطاء في الوطن العربي بسمة النقد الساخر أو السخرية على الشفاه الحزينة، بقدر ما تبدو صحافتنا متزمتة أكثر من اللازم، محتشمة أكثر من اللازم وخجولة أكثر من اللزوم، ومملة أكثر من اللازم، وتكرر نفسها أكثر من اللازم.

قال الصديق:

بالفعل فالصحافة الهزلية أو الكاريكاتيرية – بعكس ما يظن البعض – هي من أرقى وأصعب أنواع الصحافة ولذلك لم نتوفق في بلاد العرب إلى اليوم إلى بناء تيار صحفي نقدي يعتمد أسلوب الكاريكاتير من ذلك النوع الذي اشرت اليه في مثال الصحيفة الفرنسية. ولكن: لماذا تموت الصحافة الساخرة عندنا في بلاد العرب، مع أنها كانت موجودة في النصف الأول من القرن العشرين؟

قلت للصديق:

الكاتب العراقي خالد القشطيني قدم الجواب عن هذا السؤال من زمن بعيد يفسر الفقر العربي في مجال الصحافة الساخرة، حيث يقول إن 50% من النكات تدور حول الجنس وهو موضوع مقدس في بلاد العرب. وتأتي النسبة الباقية موزعة على السياسة والدين وهما مقدسان في بلاد العرب ولا يمسها الضحك إلا في المجالس الخاصة. ويمكن أن أضيف إلى ما قدمه القشطيني أننا في بلاد العرب نحيا حياة مزدوجة: نخاف السخرية والنقد لأننا نعاني من حالة تزعزع في الثقة، نتيجة التكميم والاضطرار الدائم إلى النفاق والكذب.

قال الصديق:

إن الإشكالية الأساسية هنا أن الصحافة جزء لا يتجزأ من الظاهرة الثقافية في البلاد العربية، يعوزها كل شيء، وذلك لأن الكائن الإعلامي الجدي والصادق منبوذ من كل الفئات، يتآمر عليه الجميع، لأنه يبحث عن الحقيقة التي لا يريد أحد الحديث عنها، خاصة وأن الكل يعيش حالة من الإثم الجماعي فلا أحد يريد الوقوف أمام هذا المصباح الكاشف. فلا غرابة إذن أن تكون الصحافة الجادة عامة، والصحافة الساخرة بوجه خاص، أقل أهمية من كل شيء تقريبا.. هذا الوضع جعل الصحف والمجلات - رغم أهمية الجهود التي يبذلها العاملون فيها- تعيش حالة من الهلامية، مرهونة بالظروف والإمكانات والميزانيات، ولذلك فإنه قبل أن تصبح الصحافة ضرورة، فلن تنمو لها عظام، ولن تتحول إلى مشروع، وهذا هو أمر الصحف العربية جميعا، فهي بلا مشروع وبلا رؤية. وإذا ما أريد للصحافة عامة، أن تكون مشروعا، فإن الصحافة الساخرة يمكن أن تكون جزءا من هذا المشروع. 

قلت: 

أتفق معك تماما، وأضيف على ما تقدم: أن الصحفي الجاد (والساخر خاصة) يحمل مصباح «ديوجين» ويبحث عن الحقيقة، ولذلك لا يمكن أن يمر عبر البوابات والحواجز بسهولة. ولا يمكن أن يجد من يقدم له الدعم بالشكل الذي يجعل بصيرته أقوى، ورؤيته أشمل، ومصباحه يضيئ كل الزوايا المعتمة.. ولأن الكل يعيش حالة من الإثم، فإن الكل يخاف من كشف عوراته أو الوقوف لحظة أمام هذا المصباح الكاشف، لذلك يتفق الجميع على نفيه أو تدجينه أو تقليصه في أحسن الأحوال، والمشكلة لا تتجسد في الصحافة الساخرة فحسب، بل في الصحفي نفسه، وفي مدى قدرته على الصمود ومدى قناعته بدوره وبرسالته إزاء مجتمعه. والدليل على ذلك، فإن لدينا صحافة عربية مهاجرة (أو تطبع خارج الوطن العربي) بما يمنحها مساحة أوسع من الحرية والقدرة على الابداع، إلا اننا نجد انها لا تختلف كثيرا عن الصحافة المحلية، وكان بإمكانها تطوير نوع من الصحافة الساخرة-الجادة (وليس الشاتمة الشامتة بالأشخاص والمعتدية على خصوصيتهم...).. ولكن يبدو أن بعض الخلل الجوهري هو فينا وفي ثقافتنا وفي رؤانا للأسف.

 

همس

أيتها الفارّة الى المدى

 سافري في دمي. سلمي وتنحي.

فتشي في قلبي 

عن بقايا الظل بقايا الذكرى 

عن وطن يبكي. 

عن طفل يعبر الشارع حافيًا، 

عن الاغتسال الاخير عند الظهيرة. 

عن الغياب في السفر 

عن الحزن الغائر في الجرح.

 ما عاد في القلب وجع

 ولا شوق

 ولا للجرح دم

ولا نفس..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها