النسخة الورقية
العدد 11151 الأحد 20 أكتوبر 2019 الموافق 20 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

سيّدي الرئيس... وداعًا (2/‏‏2)

رابط مختصر
العدد 11084 الأربعاء 14 أغسطس 2019 الموافق 13 ذو الحجة 1440

 شريط آخر من الذكريات أو من الحقائق التاريخية التي سلمت من النسيان أو التغييب وحتى التحريف. شريط تضاربت فيها المصالح الوطنية والشخصية، منذ دولة الاستقلال وحتى اليوم. نعم هو شريط انتقال منصب الرئاسة في تونس، شريط شائك بين منعطفات التاريخ كتبه بعض من تولى الرئاسة في تونس بحروف من كذب وكتبه البعض الآخر بحروف من ذهب... شريط حين أستعيده أقول: وداعًا... سيّدي الرئيس... المنتخب. 

  فقد تعدّدت سيناريوهات انتقال منصب الرئاسة في تونس منذ الاستقلال، وكان استلام الرئيس الراحل محمد الباجي قائد السبسي لمنصب الرئاسة هو أجلى مظاهر التحضر والديمقراطية في تونس منذ دولة الاستقلال. فقد أعلن المجلس التأسيسي الأول لتونس، والمتكون من أعضاء من الحزب الحر الدستوري الجديد «الجمهورية» بديلاً عن حكم البايات في جلسة بتاريخ 25 يوليو سنة 1957 بقاعة العرش في قصر باردو آنذاك، وعيّن الحزب الحبيب بورقيبة، الذي كان يشغل منصب رئيس للحكومة، رئيسًا للجمهورية وجمع بذلك رئاسة الحكومة والجمهورية لسنوات طويلة. وبقي الرئيس الراحل 30 سنة في الحكم بعد أن صدر قرار برلماني بتنصيبه رئيسًا مدى الحياة.

  ثمّ كان الانقلاب الأبيض أو الانقلاب الطبيّ كما يسمّى حين أزاح زين العابدين بن علي، الوزير الأول، (رئيس الحكومة) في 7/‏11/‏1987 الرئيس الحبيب بورقيبة لعجزه الصحي التام عن ممارسة مهامه وذلك وفق مواد الدستور، ليبقى بن علي في الحكم 23 سنة ولخمس فترات رئاسية متوالية رغم أنّه بشّر بالديمقراطية الحقيقية إلى أن أطاحت به ثورة 14 يناير 2011. حينها تولى منصب الرئاسة الوزير الأوّل محمد الغنوشي اعتمادا على المادة 56 من الدستور التونسي لكنه لم يهنأ بالمنصب سوى ليلة واحدة، فمن الغد أبطل المجلس الدستوري هذا القرار لعدم توفّر الشروط الدستورية وأوكل مهمة رئاسة البلاد إلى رئيس مجلس النواب آنذاك السيد فؤاد المبزّع من 15 يناير 2011 إلى 13 ديسمبر من نفس العام. 

وبعد أول انتخابات حرة وشفافة أشرفت عليها هيئة وطنية مستقلة تم انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي الثاني في تاريخ تونس، وبدورهم صوّتوا نيابة عن الشعب على اختيار محمد المنصف المرزوقي رئيسا للبلاد من 13 /‏12/‏ 2011 إلى 31 /‏ 12/‏ 2014 يوم استلم فقيد تونس، الرئيس الباجي قائد السبسي، المنتخب انتخاباً مباشراً من الشعب منصب رئاسة الجمهورية. 

ومن المشاهد الحضارية التي لن ينساها تاريخ تونس السياسي والديمقراطي يوم تسلّم وتسليم المنصب سواء من الرئيس فؤاد المبزع إلى المنصف المرزوقي أو من هذا الأخير إلى الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، فتلك صور ومشاهد تشهد لتونس بما وصلت إليه من رقيّ سياسيّ في التعامل مع منصب الرئاسة. ولولا أن وافاه الأجل المحتوم لفعل الرئيس السبسي مثل من سبقه، ولسلّم السلطة لمن ينتخبه الشعب في موكب احتفاليّ يبقى شهادة أخرى لتونس.

لكن، وقد أراد الله وما شاء فعل، لم تتوقّف المؤسسة التشريعية في تونس عن أداء دورها فبعد اجتماع رئيس مجلس النواب برؤساء الكتل النيابية سويعات بعد إعلان حالة الوفاة، جرى تنصيب السيد محمّد الناصر رئيس مجلس النواب قائماً بأعمال رئيس البلاد لمدّة أقصاها 90 يوماً.

ولمّا كانت تونس على مشارف انتخابات تشريعية ورئاسية فقد عقدت الهيئة المستقلة للانتخابات جلسة طارئة وقرّرت تقديم موعد الانتخابات الرئاسية على التشريعية احتراماً للآجال الدستورية لمنصب القائم بعمل رئيس الجمهورية. وكأنّ الجميع أرادوا أن يهنأ الرئيس الراحل في قبره ولا يدخله إلا والمؤسسات في البلاد قد أدت أدوارها.

 وهكذا ظهر الرئيس الجديد الخميس ليلاً في التلفزيون التونسي ليقدم العزاء للشعب في رئيسهم الراحل، ويخبرهم بتوليه هذا المنصب ويطمئنهم على استمرارية الدولة والمؤسسات، ويحثهم على العمل لاستكمال الانتقال الديمقراطي في البلاد. 

هذا شريط منصب الرئاسة في تونس شريط حافل بالذكريات لبلد آمَن بالمؤسسات الدستورية حتى في أحلك المنعطفات التاريخية، واستطاع بفضل حكمة السياسيين ولا سيما الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي ولفيف من الطبقة السياسية الحكيمة أن يرسخوا قواعد الانتقال الديمقراطي للحكم في تونس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها