النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

تونس على مفترق طرق

استمرارية الدولة.. هيبتها.. والتوافق الوطني

رابط مختصر
العدد 11082 الإثنين 12 أغسطس 2019 الموافق 11 ذو الحجة 1440

صادفت وفاة الرئيس التونسي السابق محمد الباجي قائد السبسي رحمه الله مع قضائي إجازة قصيرة في تونس، فكانت تلك الاجازة، جلها أو كلها، في فترة الحداد التي عاشها الشعب التونسي بصدق ومحبة لهذا الرجل الاستثنائي في زمن استثنائي.

تابعت ما كان يبث حول سيرة هذا الرجل وفكره وانجازاته السياسية العديدة، خاصة خلال المرحلة الأخيرة من حياته والدور الحاسم الذي اضطلع به في تحولات السياسة التونسية التي غيرت وجهة تونس ومنطق الحياة السياسية فيها.ولعل أهمها أن نجح في بناء التوافقات بين العناصر التي يصعب التوفيق بينها، وسهل عملية التحول الديمقراطي وخلق التوازن وضمان الانتقال السلمي للسلطة.

ويكفي الرجل هذه الإنجازات-التي لم يصنعها لوحده طبعا بل بمعية أغلب القوى السياسية الوطنية التونسية-ليكون مخلدا في الذاكرة الجماعية، وليحظى بما حظي به من تقدير وتوقير في حياته وفي مماته أيضا. فهو الذي كانت له الصلة القوية مع الزعيم الحبيب بورقيبة، ومع المناضلين والمقاومين في فترة الكفاح الوطني، كما كان له دور بارز في إرساء أسس الدولة الوطنية، ودوره القوي في مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري المعروف بمؤتمر المنستير لسنة 1971، حيث كانت له آراء ومقترحات مختلفة عن زعيم الحزب، وكان مع الانفتاح والحرية والديمقراطية، مما أدى إلى فصله من الحزب بسبب تلك الأفكار التحررية، وحرصه على إعطاء مكانة كبيرة للمؤسسات الدستورية، كما كان له دور مفصلي في تاريخ البلاد طيلة 60 سنة من خلال المناصب العديدة التي تقلدها.

وهو عندما يغادر اليوم في سلام، يترك بلدا متماسكا مستقرا بالرغم من كل الصعوبات التي واجهها ويواجهها:

- فتونس بلد متواضع الإمكانات على الصعيد الاقتصادي والمالي، وبالرغم من الاهتزازات التي تعرض لها خلال السنوات الماضية، فقد استطاع سياسيا ان تعبر بسلام إلى «الوسط السعيد»، كما استطاع بإمكانياته المتواضعة، أن يهزم الإرهاب، الذي انكسر على أعتاب دولة مدنية متماسكة سياسيا، وقوة نظامية لها عقيدة قتالية وطنية لا تخترق، مع عدم وجود أي حاضنة شعبية للإرهاب- والدليل على ذلك أن أفراد الشعب العزل- نساء ورجال -كانوا أول من هب لمقاومة الإرهابيين بالإمكانيات المتاحة، بل التحم المواطنون في بعض المواجهات بقوات الجيش الوطني والقوى الأمنية، مما يعني أن عملية غسل الدماغ الواسعة التي قام بها بعض القوى المتطرفة والتكفيرية في السنوات الماضية لم تمس من جوهر الوطنية التونسية، إذ بقي الوطن كقيمة مقدسا، وحرمة ترابه خطًا أحمر لا يتزعزع.

- أن الوحدة الوطنية- بالرغم من الاختلافات الموجودة في المجتمع السياسي من اليمين إلى الوسط واليسار- ظلت الثابت الأساسي في مواجهة النزعات الطائفية واللامدنية وفي مواجهة العدوان الخارجي، مهما كان شكله، كما بقيت هذه الوحدة كإطار للمساهمة في حماية الوطن والدفاع عنه، كما أن الحياة الجمعياتية (سياسية أو ثقافية أو اجتماعية أو مهنية) لم تكن موالية للأجنبي، بل كانت أحد أهم فضاءات المقاومة الثقافية، وحصنا من حصون الهوية الوطنية والقومية، ومدرسة لتربية المواطنين وتنشئتهم على حب الوطن والدفاع عنه والولاء له، وزرع قيم الوطنية بين كافة شرائح المجتمع، فكانت الجمعيات خير رافد للحركة الوطنية، وخير سند في التصدي للمستعمرين في السابق، وفي التصدي للإرهاب والتخريب في الحاضر.

- أن الوفاق الوطني الذي تحقق في تونس بعيد الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة التي جرت في العام 2014م قد سحب البساط من تحت أقدام القوى المتطرفة التي انتشرت واتسع نطاق تأثيرها بعيد 2011م، وبخاصة بعد التصالح بين العلمانيين وبين الإسلام السياسي المعتدل الذي وافق على دستور يكرس مدنية الدولة، ويكرس الحقوق المدنية والحريات العامة والخاصة، وحرية الضمير والمعتقد، وحرية المرأة ويقر بالمكتسبات التي تحققت في الفترات السابقة، حيث وجد المتطرفون والإرهابيون أنفسهم نتيجة لذلك معزولين، وفي مواجهة مع الجميع، وتلك العزلة هي أول مدارج الهزيمة.

- أن نجاح التجربة الديمقراطية الجديدة قد كرس الدولة الديمقراطية التي هي في أساسها دولة قانون، مما أدى في النهاية إلى تكريس السلم النهائي، لكن كلما تمسكت بقيم قانونية، تحررت سياسيا.. كما أنها كلما عززت الإصلاحات السياسية، تجذرت لديها مبادئ احترام القانون. والتاريخ شاهد على ذلك. وقد نجح الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي-فيما اعتقد-في تكريس أربعة عناصر أساسية هي أسس المعادلة التي أمنت الاستقرار والانتقال السلمي للسلطة وهي:

 - ضمان استمرارية الدولة ورفض منطق الانقلاب عليها مهما كانت الظروف والأسباب.

 - احترام سلطة الدولة وهيبتها وعدم السماح بالمساس بها بأي شكل من الاشكال ، لأن الدولة إذا ما فقدت هيبتها في المواطنين تكون قد انهارت في عقولهم ووجدانهم قبل انهيارها الفعلي.

 - ضمان أوسع توافق وطني مع القوى التي تؤمن بمدنية الدولة وبدولة القانون والحريات.

منطق الاقصاء وقوانين الاقصاء والاجتثاث

 - الرفض القاطع للمنطق الاقصاء الذي أراده بعض الاجتثاثيين، بما أمن السلام الأهلي الواسع وجنب البلاد المواجهات والصراعات الدموية كتلك التي رأيناها في العراق وليبيا.

 تلك هي العناصر الثلاثة التي راهن عليها السبسي وكرسها خلال عهدته كرئيس للجمهورية بالرغم من كل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الجمة، وبالرغم من اهتزاز الوضع الإقليمي وتأثيراته السلبية على تونس، ولذلك توجد اليوم قناعة راسخة لدى الأغلبية الساحقة من التونسيين بأنه لا خوف على هذا البلد العربي مادام هنالك دولة وجيش وطني وشعب يرفض الإرهاب والتدخل الخارجي.

واليوم فإنه وبالرغم من الخلافات والتجاذبات السياسية العديدة في المشهد التونسي، إلا أن وفاة الرئيس محمد الباجي قايد السبسي قد وحدت الصفوف وحشدتها من أجل تحقيق هدف واحد رئيسي وهو استمرارية الدولة وهيبتها وسلاسة انتقال الحكم فيها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها