النسخة الورقية
العدد 11182 الأربعاء 20 نوفمبر 2019 الموافق 23 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

في صحبة الكتابة (2)

رابط مختصر
العدد 11080 السبت 10 أغسطس 2019 الموافق 9 ذو الحجة 1440

مثل كل المهن، تحتاج الكتابة إلى الخبرة المتراكمة التي تغتني مع الوقت، وهي نوعان، خبرة في الكتابة ذاتها، للإلمام بفنونها وتعابيرها المجازية، ونحتاج هنا إلى ملاحظة اللغة التي هي حلي الكتابة وزينتها، ومع ذلك فهي ليست غلافًا للمعنى، بل هي المعنى كاملاً، فبدون اللغة لا يحمل المعنى عمقًا أو تجريدًا أوتأثيرًا على القارئ، فاللغة بهذا التفسير هي متن الكتابة لا هوامشها. 

واللغة بحر شاسع وإن كانت تتشكل من كلمات صغيرة فالبحر الشاسع العميق يتكون من قطرات الماء، كما علينا ملاحظة كتابة الآخرين، ممن سبقونا في المهنة وبرعوا فيها وأبلوا فيها بلاء حسنًا، ولننتبه إلى أسباب نبوغ هؤلاء الكُتّاب في الكتابة، والتعابير التي تجعل كتاباتهم بجمال متعدد يختلف من كاتب إلى آخر، ويجعل كتاباتهم رائعة مبنى ومعنى، مما يجعل القارئ مأخوذا بها ومستمتعا، ذلك أن البشر يتشابهون في الأحاسيس والتذوق، وإن اختلفوا في درجة هذا التذوق، وغمض عليهم تفسيره، لذا تجد أن القارئ يحب كتابة كاتب معين ويتفاعل معها. 

ولكي تكون الكتابة جديرة بالقراءة، علينا أن نلاحظ كل الكلمات والجمل في النص المكتوب، فللكلمة أو الجملة سحر يتجلى في أنغام تشبه الموسيقى، ومعانٍ تتواشج وتتداخل مع هذه الأنغام فتحدث تأثيرًا كبيرًا في النفس، وتكون الكتابة في هذه الحالة ذات سطوة على القارئ، وهناك جمل تتغير إيقاعًا أو تأثيرًا أو معنى إذا تغيرت فيها كلمة صغيرة أو أضيفت لها كلمة أو ألغيت منها كلمة واستبدلت بأخرى، فبكل ذلك يختلف نسق الجمل واستوائها وترتيبها وتأثيرها، وهنا يأتي دور التنقيح والتوليف والتنظيم. 

ولا تخلو أي كتابة جميلة مستحسنة من الطاقة الشعرية في الجمل والكلمات، وذلك ليس غريبًا ولا جديدًا، فالنقاد يقولون إن شعر النثر له موسيقى داخلية، وإذا صح ذلك، وهوصحيح، فللسرد أيضا موسيقى داخليه وإيقاع وأنغام، وهذا حال اللغة وطبيعتها، فهي دائمًا مكتنزه ومتجددة ومتعددة، بكل ما يجعل لها تأثيرًا سحريًا على النفس. وقد تتعدد فنون الكتابة عند كاتب وآخر، وأعطي مثلاً من كتابة يوسف إدريس للقصة القصيرة الذي يعتمد فيها على الإيقاع السريع المنظم إلى درجة تقارب الجملة مع الأخرى في الطول، والإيقاع السريع في كتابته يطرد الملل عند القارئ ويحبب له القراءة ويستحوذ على حواسه ويجعله في استمتاع ولهاث مستمر حتى نهاية القصة، وقد استفاد بعض الكتاب العرب بطريقته. 

هذا فيما يخص النوع الأول من الخبرة في اللغة، التي نحتاجها في الكتابة، أما النوع الثاني من الخبرة، فهي خبرة الحياة التي عاشها الكاتب، وكلما اتسعت هذه الخبرة، اغتنت ذاكرة الكاتب وتعددت. وهنا يأتي دورالتأمل، ومعه التفكير في المادة التي سيعالجها الكاتب رواية أو قصة أو مقالة، والتفكير في مادة الكتابة هي كتابة صامته أولى في العقل قبل أن تخرج إلى فضاء الورق أو أجهزة الكتابة، من ذلك سنجد أن التجهيز للكتابة يستغرق وقتًا أطول من كتابة الكتابة، وكلما كثرت مادة الكتابة وازداد حجمها، كلما احتاجت إلى وقت أكثر وعناء أكثر وتفكير أكثر، وإعادة صياغة وترتيب وتنقيح دائم مستمر، فكتابة الرواية تستغرق أمدًا طويلاً، وهي تختلف عن كتابة القصة أو القصيدة، وإن اشتركت هذه الأنواع في الحاجة إلى وقت وتجهيزأكثر، ومعاناة أكثر، وكل ذلك يحتاج إلى وقت على الكاتب أن يوفره لنفسه، والوقت ذات تأثير كبير في حياة الكاتب والكتابة، فإذا لم يتوفر للكاتب هذا الوقت، لن يستطيع الوصول إلى الكتابة التي ترضيه وترضي القارئ. 

وسنجد من ذلك أن الكتابة الجيدة تحتاج وقتًا جيدًا، ولهذا السبب يتجه الكتاب للتفرغ إذا كانت كتاباتهم تغطي احتياجاتهم المعيشية، وعادة ما يكون ذلك بعد أن يقطع الكاتب شوطًا في الكتابة يسعفه على أصدار كتب تدر مالاً جيدًا عليه، هذا في البلدان التي تنشط وتتسع فيها القراءة، ونحن العرب لسنا من هذه البلدان للأسف الشديد، فكُتّابنا يرزحون تحت أثقال ظروف صعبة وقاسية، ويكدحون لتلبية لوازم العيش لهم ولأسرهم ويكتبون في نفس الوقت، وفي الأغلب يطبعون كتبهم من ميزانيتهم الخاصة الهزيلة في الغالب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها