النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

اللعب بالسياسة

رابط مختصر
العدد 11080 السبت 10 أغسطس 2019 الموافق 9 ذو الحجة 1440

كان لبنان، ولا يزال، مدرسة سياسية فريدة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط، تساعده على ذلك تركيبة دينية مذهبية اجتماعية متنوعة إلى حد كبير، تبرز فيها زعامات متوارثة أبًا عن جد، وتسهم في حراك فكري ثقافي وصل صداه للعالمية منذ أمد بعيد، يُرخَى فيها الحبل للأحزاب والتجمعات والإعلام والأغاني فتزدهر الأحوال، لكن في فترات أخرى يقوم الجميع بشد الحبل نحوه، فيختنق لبنان.

لم أكن بعيدًا عن السياسية منذ بداية عملي في الإعلانات في لبنان في أواخر ستينات القرن الماضي، لكنني لم أكن قد خضت فيها بعد، والواقع أن الإعلانات السياسية لم تكن معروفة في لبنان، وإنما يجري استلهام بعض الممارسات الأمريكية، وبدرجة أقل الأوربية، في الحملات الانتخابية.

وأروي في هذا المقال قصتي مع إعلان سياسي، حيث طلب مني آنذاك شقيق صديقي المقرب من الدكتور محمد المغربي العمل معه على استراتيجية حملة ترشيحه لمجلس النواب، وكنت سعيدًا للغاية بالمشاركة في هذه المهمة.

قضينا عدة ساعات وأيام نفكر في وضع المرشح وما هي الفكرة التي يمكن نقدمها، وقد أردت حقا أن أمنحه منصة فريدة من نوعها من شأنها أن تجعل الناس تتعرف عليه بسرعة معه وتثق به، أخيرا توصلنا إلى استنتاج مفاده أن الناس ليسوا سعداء أبدًا بوضعهم الراهن، ويبحثون دائما عن التغيير، فقامت الحملة الانتخابية على الالتزام بالتغيير للناخبين.

أطلقنا حملة إعلانية قوية جدا تدعو الدكتور المغربي بـ«البديل»، كان شخصية معروفة في لبنان بشكل عام وبشكل خاص في دوائره الانتخابية، وتمكن من خلال هذه الحملة من مزاحمة منافسه تقي الدين سولوه الذي كان أقدم وأقوى أعضاء البرلمان ووزيرا سابقا.

انتشرت الحملة بين الناس بسرعة كبيرة، وذكرت في الصحف والراديو، وتلقى د. المغربي كمّا كبيرا من التفاعل والتعليقات من الصحفيين والجمهور. أخيرًا قرر خصمه، الوزير سولوه، الرد، فوضع لوحة ضخمة في ساحة كبرى وصف فيها نفسه بأنه «الشيء الحقيقي».

كنا نجتمع يوميًا لمناقشة التقدم المحرز في الحملة ورد فعل منافسينا، وقد ردينا فورًا على حملة المنافس بلوحة أخرى وضعناها خارج منزله وقدك كُتب عليها «لقد رأينا أصلي. لقد حان الوقت لرؤية البديل». لقد ذاع صيت هذه الحملة أكثر، ولاقت اهتمام الصحف والنقاد من جميع أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر.

اعتقد أن صناعة الإعلان السياسي في منطقنا العربية لم تتطور كثيرا خلال العقود الماضية للأسباب التي ذكرتها في بداية هذا المقال، فهناك غالبا لاعب واحد في السوق، هو الحزب الواحد أو المرشح الواحد، لذلك لا داعي لبذل الكثير من الجهود والابتكار من أجل حشد التأييد وكسب الأصوات.

ربما اتخذ الإعلان السياسي في منطقنا شكلا آخر، هو الإعلام السياسي، فإنفاق الدول على مراكز الأبحاث ومحطات البث التلفزيوني والصحف وأصحاب الرأي والقلم أصبح جزءا أساسيا من ميزانيتها، بعدما أدركت أن الحرب إعلامية بالدرجة الأولى، أما العسكر والأسلحة فربما تأتي لاحقا.

في الدول الغربية الوضع مختلف، حيث تشكل الأحزاب والسياسيون جانبا مهما من عمل وكالات العلاقات العامة والإعلان، ففي العام 2016 مثلا غطت حملة هيلاري كلينتون الانتخابية الولايات المتأرجحة بالإعلانات التجارية، فيما اعتمد دونالد ترامب الظهور التلفزيوني أكثر، وعرضت شبكات الكابل الإخبارية الأمريكية معظم خطبه وتجمعاته حية على الهواء، وفاق حجم الإنفاق الإعلاني على الحملات الانتخابية آنذاك ثلاث مليارات دولار.

الإعلانات السياسية مهمة أيضا في القضايا الوطنية الكبرى، وقد شهدنا ذلك في بريطانيا إبان قضية الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، لكن رغم أن حملة مؤيدي بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوربي استأجروا عدة وكالات إعلانية، إلا أنهم لم يتغلبوا على مؤيدي الانفصال، فيما بدا أن المصوتين للانفصال يستجيبون من خلال إحساس داخلي بدلا من تقييم عقلاني لما قد يكون أو لا يكون في مصلحتهم.

في الواقع، لقد تركت تقريبا العمل في مجال الإعلان منذ العام 2000 عندما بدأت هذه الصناعة تتحول أكثر فأكثر إلى العصر الرقمي، وزاد الأمر تعقيدا عندما دخلت وسائل التواصل الاجتماعي وأخذت الجزء الأكبر من الكعكة الإعلانية، ونحن في وكالتنا «بروموسيفن» تنبهنا لذلك منذ البداية، وأنشأنا قسما يضم العشرات من ألمع العقول في مجال الإعلام الرقمي، هذا القسم يشكل القلب النابض للوكالة حاليا.

ربما تغيرت صناعة الإعلان كثيرا على مدى الأعوام الخمسين الماضية، لكن مفهومها وهدفها بقي واحدا، وهو جلب الانتباه والدفع بمتلقي الرسالة الإعلامية للقيام بتصرف ما، الإدلاء بصوت انتخابي أو شراء منتج أو سلعة أو تجربة شيء جديد، والإعلان السياسي جزء أساسي من هذه الصناعة، تتطور أدواته وأساليبه لكن هدفه يبقى واحدا. 

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا