النسخة الورقية
العدد 11119 الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    3:00PM
  • المغرب
    5:40PM
  • العشاء
    7:10PM

كتاب الايام

الحرب التجارية بين واشنطون وبكين.. «مصائب قوم عند قوم فوائد»

رابط مختصر
العدد 11080 السبت 10 أغسطس 2019 الموافق 9 ذو الحجة 1440

خلال قمة مجموعة العشرين في أوساكا، وتحديدًا في 29 يونيو الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ هدنة جديدة في الحرب التجارية بين بلديهما مع تعهد الأول بعدم فرض رسوم إضافية خلال فترة استئناف مفاوضات التجارة في شنغهاي التي تعثرت. وقد جاء ذلك التطور بعد نحو عام من الشد والجذب والتصريحات الإعلامية النارية بين البلدين، على خلفية قرار ترامب في مارس 2018 بفرض رسوم بنسبة 25% على واردات بلاده من الصلب، و10% على واردات الألمنيوم، بهدف تخفيض العجز التجاري الأمريكي البالغ 566 مليار دولار في عام 2017 (منها نحو 375 مليارا مع الصين، أكبر منتج للصلب والألمنيوم في العالم)، وأيضًا بهدف تحقيق الشعار الذي رفعه في حملته الانتخابية عام 2016 وهو شعار «أمريكا أولاً». علمًا بأن ترامب نفى أن يكون الخلاف مع الصين عبارة عن «حرب تجارية»، حيث غرد في إبريل 2018 قائلاً: «لقد خسرنا (الحرب) منذ سنوات عديدة بسبب السفهاء والأناس غير الكفوئين الذين يمثلون الولايات المتحدة... لدينا عجز تجاري يبلغ 500 مليار دولار في السنة مع عجز آخر يبلغ 300 مليار دولار بسبب سرقة الملكية الفكرية.. لا يمكننا السماح لهذا بالاستمرار». 

لا نريد في هذه العجالة تتبع مسار الحرب التجارية الأمريكية ــ الصينية مذاك وحتى الآن، وإنما الذي يعنينا هنا هو معرفة تداعياتها على البلدين المتنافسين وعلى الآخر. المستشار الاقتصادي للرئيس الامريكي «لاري كودلو» قال إن الحرب التجارية مع الصين ليست في صالح واشنطون؛ لأنها لن تجبر الشركات الصينية على دفع مليارات الدولارات للخزينة الأمريكية في صورة ضرائب ورسوم، وإنما من سيتحمل تلك الرسوم هي الشركات الأمريكية المستوردة والتي بدورها تحملها للمستهلك الأمريكي. وفي السياق ذاته، قال محللون وأكاديميون بارزون إن «الرسوم التي فرضت على شريحة كبيرة من الواردات، بدءا من الصلب، وحتى الغسالات، كلفت الشركات الأمريكية والمستهلكين 3 مليارات دولار في الشهر في صورة تكاليف ضريبية إضافية، يُضاف إليها مليار و400 مليون دولار في صورة خسائر بسبب انخفاض الطلب».

أما بالنسبة للطرف الآخر، وهو الصين؛ فإنها في رأي هؤلاء تبدو أقل خسارة لأنها تصدر للولايات المتحدة أكثر مما تستورد منها، لذا فإنها حريصة على التشدد في المفاوضات (مع مواجهة العقوبات الأمريكية بعقوبات مماثلة)، خصوصا وأنها متمسكة بسياساتها لجهة استمرار سرقة حقوق الملكية الفكرية، وحماية شركاتها المملوكة للدولة وحقوق عمالها، وبالتالي الذود عن نظامها السياسي. والمعروف أن حجم الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة يبلغ نحو 19 تريليون دولار في مقابل نحو 12 تريليون دولار في حالة الصين. وإذا كان البعض يراهن على ارتفاع حجم الناتج المحلي الصيني إلى المستويات الأمريكية من خلال معدلات النمو الصينية المتسارعة، فإن هذه المعدلات صارت أقل تسارعا اليوم. إذ انخفضت من 10% ــ 7% خلال العقود الماضية إلى 2.9 % اليوم، بسبب ارتفاع تراجع معدلات التجارة والتصنيع وتصاعد التوترات على المستوى العالمي. من جانب آخر، تحدثت بعض التقارير عن الآثار السلبية لهذه الحرب التجارية على نحو 360 ألف طالب صيني يدرس في لجامعات الامريكية. فهؤلاء تتملكهم المخاوف من «إمكانية توظيفهم بشكل أو بآخر في الحرب التجارية بين بكين وواشنطون، أو إحتمال التمييز ضدهم. ويبدو التحذير الصادر من السلطات الصينية بشأن مخاطر الدراسة في الولايات المتحدة جاء لتبرير هذه المخاوف». 

عالميا، سوف تؤثر هذه الحرب التجارية بين القطبين الإقتصاديين الأقوى في العالم، على المستثمرين، ما سيدفع مؤشرات أسواق المال إلى التراجع جراء حالة عدم اليقين حول المستقبل.

لكن هناك قاعدة تقول «مصائب قوم عند قوم فوائد» بمعنى أن الأضرار الناجمة من هذه الحرب التجارية قد تصب في صالح أطراف ثالثة. من هذه الأطراف روسيا التي ستحصل على مواقف تفاوضية أقوى بوقوف الصين خلفها في الملفين الإيراني والسوري نكاية بالأمريكان، ومن هذه الأطراف أيضا دول الشرق الأوسط المنتجة للطاقة. فبحسب شبكة (بلومبرغ)، فإنه في حال فرضت بكين رسوما بنسبة 25% على البولي ايثيلين والبروبان السائل اللذين هما من بين 106 سلع أمريكية مستهدفة، فإن الصين تحتاج إلى بديل لنحو 2.3 طن متري من هاتين السلعتين، وهو ما لا يتوفر إلا في أسواق الشرق الأوسط.

وأخيرا نأتي إلى مستفيد آخر هو فيتنام، التي لئن كانت أقل شأنا من الصين اقتصاديا وصناعيا وقدرات تصديرية، إلا أنها شقت طريقها بنجاح مشهود في عالم التصنيع من أجل التصدير، وباتت قادرة على تلبية طلبات الأسواق الأمريكية من السلع الاستهلاكية، ناهيك أنها تمتلك مزايا منها أن اقتصادها حقق العام الماضي نموا بنسبة 7.1%، ولديها اسواق داخلية قوامها 96.5 مليون نسمة من المستهلكين معظمهم من الطبقة الوسطى الصاعدة، وقطاعين صناعي وزراعي يتطوران باستمرار، وشبكة جيدة من البنى التحتية، ومنظومة قانونية للحد من الفساد. وعمالة مؤهلة رخيصة، واتفاقات للتبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي وشراكات مع الهند واستراليا واليابان. ولهذا كله فإن أي عقوبات محتملة تفرضها واشنطون على بكين ستؤدي إلى خروج الشركات المستثمرة في الصين من الأخيرة إلى فيتنام كمكان ملائم بديل.

 

- أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي من البحرين

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها