النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

عودة إلى «الشباب والقيم»

عندما يكون المولد الحضاري العربي معطوبًا

رابط مختصر
العدد 11077 الأربعاء 7 أغسطس 2019 الموافق 6 ذو الحجة 1440

وصلني تعقيب من أحد الأصدقاء الأجلاء، حول ما سبق أن طرحته حول موضوع (الشباب والقيم) في مثل هذه المساحة قبل عدة أيام، والذي اشرت فيه إلى ما يتعرض له الشباب في أغلب البلاد العربية، من «ضغوط متزايدة وتجاذبات واضطراب يتولد منها الحيرة وضياع البوصلة في ظل غياب القيم الجامعة، كنتيجة طبيعية لغياب المشروع الجامع القادر على تجميع الشباب حوله».

جاء في هذا التعقيب الموجز ما يلي:«بالنسبة إلى ما أشرت إليه في المقال، فأمر، كما ذكرت، بالغ الخطورة والتعقيد. وإني وإن كنت أشاطرك القناعة بحاجة المسألة القيمية، لدى ناشئتنا، فعلا، إلى عمل (عمل واسع ومستدام)، فإنني أرى، في المقابل أن القيام بهذا العمل لا بد من أن يتأسس على جهود بحثية عميقة، تنقذ أي عمل مستقبلي ذي صلة من طرح المزيد من البرامج والأفكار والمبادرات ذاتها والتي تتبع النهوج ذاتها وللأغراض ذاتها، خاصة بعد أن تبين عمليًا أنها غير فعالة في مجملها بل وغير قادرة على جذب الشباب اليها إلا في حدود ضيقة. فخشيتي هنا هي من السقوط في الزيادة غير الملائمة في الجرعات غير المفيدة من العقاقير غير الفاعلة لمعالجة الأمراض التي نراها تتسع وتنتشر بين أوساط الشباب العربي. ولذلك، أرى، على حد ما ألمحت إليه عرضا في مقالك، أن أية جهود بذلت أو قد تبذل في هذا الصدد لن تكون مستدامة المخرج والأثر، ومستثيرة الالتزام بها لدى حملتها المفترضين من الأجيال القادمة، ما لم تكن تلك الجهود جزءًا من مشروع شامل للإنسان العربي. فالجهود الجزئية المشتتة وغير المؤصلة في هذا الأفق العريض لبناء عربي جديد لغد أفضل تظل، كما تثبت خبراتنا السابقة، مبادرات عرضية مرتجلة وسطحية، ولن يكون للجهات التي تطرحها من حصاد يحصد، في النهاية، من ورائها سوى دفع الملامة عن نفسها بالقول، من دون تحقيق أي إنجاز حقيقي، إنها فعلت شيئًا ما من أجل تأطير هذه الناشئة ولكنها ناشئة لا ترعوي، أو إن تأثيرات أخرى شتى تتناهشها وتهدم ما بنينا»، وهي، في الحق، لم تزد عن إعطاء حبة «بنادول» لمن يعاني من نزف داخلي أفرزه «ارتجاج في الوعي» نجم عن صدمة مع العصر. (انتهي التعقيب).

 

كتبت للصديق معلقًا:

اتفق معك في مجمل ما ذهبت إليه في تعقيبك، فبالفعل هنالك غياب للمشروع الجامع ضمن الأفق العربي المدني الحداثي، بل هنالك مشاريع متصارعة ضمن وعي مختلف. وهذا ما صدرت به عنوان المقال وهو «غياب المشروع المؤطر». وغياب المشروع كما جاء في التعقيب، ببعديه السياسي والثقافي مشكلة كبيرة. ولكي تتضح الصورة بشكل جلي أرى أن في الأمر جانبين:

 

الجانب الأول:

 يتعلق بمنطق الحياة وقانونها وهو التبدل من جيل إلى جيل. فقد كان معظم المتعلمين من أبناء جيلي لا يقرؤون إلا قراءات جادة وفي معارف مختلفة ومن مصادرها الأصلية، مما يحتاج منه إلى جهد وسهر وبحث وتنقيب عن الفكرة السديدة والرؤية العميقة، وبما يستدعي إجهادا للعقل والبدن ومغالبة للنفس.. حتى كان اقتناء الكتاب يساوي في حساب أبناء جيلي اقتناء السيارة الفارهة. ولا شك أن الظروف القديمة قد أسهمت جميعها في حد اندفاع ذلك الجيل نحو البحث والعلم من مصادره.. فالتلفاز لم تكن له سطوة اليوم، والفضائيات لم تكن قد ظهرت للوجود، والانترنت كذلك، والآباء كانوا يصرون على حقوقهم كاملة على الأبناء فظلوا يقاومون ضعف الإنسان فيهم حتى لا يعطوا أبناءهم ذرائع على سلطانهم قويا فعالا. أما اليوم فقد تبدلت الأحوال وتكالبت عوامل الزمان ضد جيل الشباب، فما عاد جهد اليوم - مثلا - في السعي من أجل الرزق يفي بحاجات الأبدان.. إلا في حالات حسنة الحظ، فأصبحت رواية الشعر والنثر ورياضة الذهن وتنمية المواهب بالكتاب، وإثراء الوجدان وسياسة الأذواق وتثقيفها بسماع الفنون ورؤيتها تراجعت، وانتشرت ثقافة الاتكالية وساعات الليل التهمتهما وسائل التواصل الاجتماعي وألعاب التسلية. وتعلم الأبناء الاستخفاف بالقيم الموروثة أو معظمها، وتبدلت الرؤى، والمفاهيم وصار للحسن أكثر من معنى وللقبح أكثر من معنى، وللحق والواجب أكثر من معنى، وللوطنية ذاتها معان مختلفة، والفن الراقي في نظر جيلنا، يدفع قسما كبيرا من جيل الشباب اليوم إلى التضجر والتثاؤب. فالواقع تغير والمعادلات، وكل شيء تقريبا.

 

 الجانب الثاني:

يتعلق بالمولد الحضاري العربي الذي يبدو معطوبا، لا يعمل، مهما دفعت في ماكنته المتوقفة من وقود. فقد كنا في أواخر سبعينيات القرن الماضي شبابا لم نتجاوز العقد الثاني من العمر، ومع غياب برامج كبيرة موجهة للشباب آنذاك، فقد كان المولد الحضاري العربي مشتغلا بقوة، وكان الأمل والطموح مشتعلين، وكانت الأفكار تصطرع والآمال مفتوحة. ولذلك تبدو مجمل البرامج التي تقدم للشباب العربي، قشرية وسطحية وغير مقنعة في أغلبها. لا يعبأ بها أغلب الشباب، بل وقد يسخرون منها، وهذا غالبا ما يقود إلى ظل الفوضى العارمة واستباحة الوطن العربي وسيادته، إلى سهولة اصطياد الشباب العربي، ضمن محاولات الاشتغال الأيديولوجي الكاسح على عقولهم ووجدانهم، من جماعات ترتبط بأيديولوجيات غير بناءة، قد تؤول بهم في بعض الأحيان إلى الانسياق وراء التطرف، نتيجة الإقحام الضاغط للنظريات والرؤى المفارقة للواقع العربي. كما أن ترويج الأفكار التي تشتغل بعنف في دوائر بعض الشباب العربي المستلب، باتت تشكل خطورة كبيرة على المجتمع العربي، إذا ما أصبحت مطروحة ضمن الخيارات المحتملة. ويدعم هذا الاستلاب على الصعيدين الفكري والسياسي، التدخل الخارجي في شؤون المنطقة، والذي أصبح مكشوفا. كما أن الجمع بين الاشتغال الأيديولوجي على عقول الناشئة، وبين ضعف فاعلية أغلب الجهود المبذولة لجذبه إلى دائرة مشروع جامع جاذب، يعني في النهاية أن يكون شبابنا العربي خارج سياق الفعل البناء لخدمة أوطانهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها