النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11206 السبت 14 ديسمبر 2019 الموافق 15 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:25AM
  • الظهر
    11:32PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:48PM
  • العشاء
    6:18PM

كتاب الايام

وعثاء السفر وكآبة المنظر

رابط مختصر
العدد 11077 الأربعاء 7 أغسطس 2019 الموافق 6 ذو الحجة 1440

شهر الصيف هو شهر شد الرحال حيث الأماكن السياحية والبلدان التي تستقبل السياح من كل مكان. ورغم أننا ننشد الراحة والاستجمام في السفر إلا أننا عندما نركب الطائرة نستمع إلى الحديث النبوي الشريف لدعاء السفر المسجل الذي يذيعه طاقم الطائرة على الركاب، وهو عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبّر ثلاثا ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى. اللهم هوّن علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد»، وإذا رجع قالها وزاد فيها «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون» رواه مسلم. شخصيا عندما استمع لهذا الدعاء أشعر باطمئنان نفسي لا مثيل له، وفي كثير من سفرياتي وجدت أنه بالفعل توجد وعثاء في السفر تتمثل في المشقة والصعوبة، رغم أن السفر هذه الأيام ليس مثل تلك الأيام الخوالي حيث الإبل والدواب والسفن التي تمخر عباب البحر من خلال القلوع والأشرعة اعتمادا على الرياح وقوتها، أما وعثاء السفر هذه الأيام في الطائرات فتتمثل في تأخير الطائرات ومدة الانتظار المقلقة إضافة إلى الزحمة وصعوبة إيجاد أماكن مناسبة والمغالاة في الأسعار وشروط حمل الحقائب وأوزانها وما إلى ذلك من منغصات يقدم عليها المرء مضطرا، أما كآبة المنظر، فتتمثل في الكآبة النفسية التي تسببها عوامل خارجية وعوامل داخلية في نفسية المرء وقدرته على احتمال المصاعب وما يصاحب ذلك ربما من انكسار وحزن، ولذا فإنه من الضرورة بمكان أن نؤمن بقدرة الخالق جلا وعلا في تسهيل الأمور، والصبر الذي هو من شيم المؤمنين الذين يتحملون الكثير من أجل بلوغ الأهداف، وتكرار قولنا لهذا الدعاء «الحديث» فيه راحة نفسية وشحنة إيجابية تسهّل علينا وعثاء السفر وكآبة المنظر.

وهذا يقودني إلى أحداث وجدت أنه من الأهمية بمكان أن نتحلى بها لتسهيل الأمور على المسافرين، خصوصا الدول السياحية أو التي تنشد رغبات السياح، ولذا فإن الابتسامة وطيبة الشعب وخفة الدم التي يتحلى بها الشعب المصري الشقيق والخدمات السياحية والمدن والقرى السياحية المنتشرة والفنادق ذات المستوى العالي، بالإضافة إلى الآثار والتراث والتاريخ والمجمعات التجارية الراقيةن جذبت أفواج السياح من كل مكان إلى جمهورية مصر العربية، ففي الصيف توجد الأماكن المناسبة للمصطافين وفي الشتاء توجد المشاتي التي تتميز بها السياحة المصرية، فلا غرابة أن تجد في الصيف والشتاء أفواجا سياحية في القاهرة والأقصر وأسوان والإسكندرية ومرسى مطروح ومرسى علم والغردقة والجونة والساحل الشمالي والعين السخنة وشرم الشيخ وواحة سيوه والفيوم وأماكن لا حصر لها، والسياحة الداخلية في مصر لها بريقها، فالمصريون يعشقون بلادهم ويزورون مناطقهم صيفا وشتاء ونحن نعلم أنه في أمريكا السياحة الداخلية بين الولايات الأمريكية لها سوقها ورواجها، ونحن نستطيع كدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أن تكون السياحة الداخلية بين دولنا التي بها منتج سياحي عامل جذب مهم، وكذا دولنا العربية التي ندعو الله جلت قدرته أن ينعم على بعضها بالأمن والاستقرار وأن تتجاوز محنتها، فالسياحة توصف بأنها صناعة من غير دخان، وبالفعل السياحة لها المردود الثقافي والحضاري والتقارب بين الشعوب، وتخلق فيما بينها التعارف وتبادل المنافع وربما الاستثمار في مشاريع يعود مردودها على بلدان وأفراد.

ذات يوم في سفر احتجت لمساعدة أحد موظفي المطار كي يرشدني إلى وجهتي، خصوصا أن المطار كان كبيرا وبوابات المطار متباينة، فوجدت أن هذا الموظف يحمل في يديه جهاز حاسوب نقالاً «لوحًا» وبه كل المعلومات التي أريدها وأكثر، وهو واقف على رجليه ويلبس ملابس تنم عن أنه موظف استقبال، فوجدت ضالتي عنده بيسر وسهولة، وصادف أن ذهبت إلى بلد آخر واحتجت إلى مساعدة فلجأت إلى فتاة وهي تجلس على كراسي وأمامها طاولة، ومن موقعها يبدو أنها على استعداد لتقديم المساعدة لمن يطلبها ووجدتها مشغولة بهاتفها النقال، وانتظرت لعلها تنتبه لوجودي، فإذا بها تتمادى في التصفح الإلكتروني دون اكتراث لوجودي، فسألتها ورفعت رأسها بصعوبة وأجابتني بجواب غير مريح ولا يشفي الغليل، وأدركت بالفعل وقتها صعوبة «كآبة المنظر» في نفسية الإنسان، خصوصا المسافر، فاستعذت بالله ورددت في ضميري الحديث الشريف «اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر»، فما كان ضرها إن هي خففت عني كمسافر وأعطتني الجواب الشافي؟!

عندما استمع إلى هذا الحديث الشريف «الدعاء» أدرك ما يتحمله أخي وصديقي المهندس أحمد عبدالرحمن أجور رجل الأعمال البحريني الذي يؤثر السفر الطويل عن طريق البر إلى بلدان وشعوب، وعندما استمع إلى قصصه واحتماله لوعثاء السفر وكآبة المنظر أدرك قوة احتماله وصبره وتوكله على الله بعد أن يعد الإعداد الجيد لرحلة البر الطويلة ولا شك أنه يجد فيها متعة وراحة نفسية وهذا هو المهم، فالإنسان منا أهم شيء عنده راحته في الحل والترحال، وعلينا كبشر أن نسهّل على الناس أمور حياتهم ونكون لهم خير المعين على تحمل المشاق؛ بغية وصولهم إلى الأهداف التي ينشدونها، فقد كان الأقدمون عندما يمر بساحتهم في الصحراء أو في المدن والقرى يرحّبون بالزائر وعابر السبيل ويوفرون له كل ما يسهّل عليه سفره ويعينه على مشاق الطريق، ففي ذلك ألفة ومحبة وشعور بالرضا النفسي والعيش المشترك.

وعلى الخير والمحبة نلتقي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا