النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

الجرائم الإلكترونية تحت أضواء مكافحة الفساد

رابط مختصر
العدد 11076 الثلاثاء 6 أغسطس 2019 الموافق 5 ذو الحجة 1440

كنت في مجمع إنماء - الرفاع أمارس رياضة المشي كعادتي كل يوم، فرأيت جمعاً من تلاميذ يتقدمهم ضابط من وزارة الداخلية، التلاميذ كانوا في أعمار التعليم الابتدائي، والضابط كان شاباً وسيماً رشيقاً، تبدو على محياه علامات الجد، وبعض من القلق، والاهتمام بروح من الرعاية الأبوية، وكان يتوسطهم محاضراً كأنه أستاذ أخذ تلامذته خارج حدود غرفة الفصل لشرح درس ميداني، وكان الميدان مجمع تجاري يلتقي فيه جميع طبقات الناس ومن جميع الأعمار. هذا الثنائي غير المعهود، الذي يجمع بين ضابط عسكري من وزارة الداخلية وتلاميذ من مدسة ابتدائية، يوحي بدرس خارج منهج وزارة التربية والتعليم. درس، حسب أقرب الظن، لا بد أن له علاقة تربط بين توعية النشء وأمن المجتمع وسلامة الوطن والمواطنين. اتجهت إلى الضابط، من باب الفضول المعرفي، مستفسراً عن الأمر، فأجاب، بكل أدب واحترام واهتمام، بأن الأمر له علاقة بالجرائم الإلكترونية وهي كثيرة، وأن أكثر تلك الجرائم انتشاراً هي جريمة الاستغلال الجنسي ضد الأطفال، وأخذ يعدد لي أنواع الجرائم التي يتم التخطيط لها عبر الوسائط الالكترونية (وسائط التواصل الاجتماعي)، وأن وزارة الداخلية قد دشنت خطاً وطنياً ساخناً لمكافحة الفساد عامة، ومن ضمنه الجرائم الالكترونية، تحت عنوان «الخط الوطني الساخن لمكافحة الفساد (نزاهة 992)»، وإضافة إلى هذا الخط الذي تم تدشينه في التاسع من ديسمبرعام 2007م، فإن وزارة الداخلية قد أخذت على عاتقها مهمة توعية تلاميذ المدارس الابتدائية والإعدادية من الجنسبن، لأن هذه الفئة العمرية هي الأكثر هشاشة أمام المخططات الاجرامية، التي تتدرج من جريمة السب والقذف، مروراً بالاستغلال الجنسي للاطفال إلى جريمة إهانة الملل والطوائف (التحريض والفتنة).

إن الذي اقتضى هذا الجمع بين وزارة الداخلية ووزارة التربية والتعليم هو هذا الوسيط الإلكتروني - الهاتف الذكي وتوابعه - الذي أصبح ملازماً للإنسان من الجنسين ومن جميع الأعمار، بدءاً من سن السادسة، أو حتى أقل، إلى سن ما بعد الكهولة. في البيت، وفي السرير، وفي الشارع، وفي الأماكن العامة، وحتى في السيارة أثناء السياقة، الكل يحمل هاتفه الذكي ويتفاعل معه، إما بالتحدث أو قراءة رسالة أو كتابة رسالة أو مشاهدة فيلم على اليوتيوب أو غيره من الروابط والبرامج المختلفة. هذا الهاتف الذكي أضحى ساحراً، يستحوذ على أذهان الناس ويُغَيِّبُ نَفْسَهُمْ عن نَفْسِهِمْ وعن محيطهم ويعطل كيمياء عقلهم ويختزل وجودهم، الأسري والمجتمعي، في دائرة فرديتهم المطلقة، ساحر ومسحور، والساحر يملي ما يشاء ويوعز ويوحي بما يشاء، والمسحور مهووس مبهور مسلوب الإرادة. فهذا الوسيط هو وسيلة نقل لمواد مختلفة ومتناقضة، فالطيب ينقل الرسائل الطيبة، والخبيث ينقل الرسائل الخبيثة، ومن الغريب أن الرسائل الخبيثة لها جاذبية، أقوى من نقيضتها، تدغدغ النفس وتحفزها على الانصياع، تحت فعل السحر، وخاصة مع صغار السن - وهنا بيت القصيد. الرسائل الطيبة، أهلاً وسهلاً بها وعلى الرحب والسعة، فهي الخير والمبتغى، إنما الهاجس المزلزل المرعب هو الرسائل الخبيثة، وما أكثرها وتنوعها. هناك سحرة كثيرون، ذوو أهداف خبيثة وأجندات مرعبة، يطلون على حاملي الهواتف ويسحرونهم بما تحمله جعبتهم من صنوف الخبث والشر.

مع هذا التطور العلمي - التكنولوجي - الالكتروني تراجع الانسان تدهوراً إلى سجن انفرادي طوعي، فالجميع مسجون انفرادياً، ويكفي أن نذكر هذا المشهد السائد في البيت وفي الأماكن العامة: «أب وأم وطفل لم يبلغ بعد السابعة، في مقهى أحد المجمعات التجارية، جلوس حول طاولة، وكل واحد منهم يحمل هاتفه الذكي، وهم مشغولون بالتعاطي المركز مع الهاتف، وصمت مطبق يخيم عليهم، ويرشفون القهوة، أو مشروب آخر، دون أن يشعروا أو يذوقوا ما يشربون، فهم مكبلون بسلسلة السحر إلى الهاتف الذكي...». مشهد نمطي سائد، فالكل في سجنه الانفرادي - الطوعي وإن كان بين حشد من الناس. إذاً فنحن أمام تحدٍّ كبير يمس نفسية الفرد ويفكك وحدة الأسرة ويخلّ بالميزان الاجتماعي، ومن خلال هذه التحديات تخترق الجريمة بانواعها في ذات الفرد وفي حرمة البيت وفي بنية المجتمع.

وزارة الداخلية بادرت وخططت وهي في طور التنفيذ الحثيث، ولكن مبادرة الداخلية بحد ذاتها لا تكفي، فالمستهدف الهش، وهم تلاميذ وتلميذات المدارس، في حاجة إلى توعية متواصلة، خاصة وأننا لا نتوقع من وزارة الداخلية أن تخصص دروساً للتوعية بشكل دائم ومنظم زمنياً في فترات متقاربة مثل دروس الفصل المدرسي، فالمسؤولية مشتركة، ولا بد لوزارة التربية والتعليم أن تساهم في هذه الحملة التوعوية، التي تخطت الطابع المؤقت إلى نهج متواصل، ما يعني أن على وزارة التربية والتعليم إعداد منهج خاص بالتوعية ضد الجرائم الالكترونية مكمل لباقة المناهج التقليدية... ومؤسسات المجتمع المدني، وخاصة الجمعيات النسائية، تقع في دائرة المسؤولية، وعليها أن تبادر في حملات التوعية ضد الجرائم الالكترونية بالاسلوب والوسيلة التي تتلائم مع طبيعتها ودورها الاجتماعي والوطني...

إن هذا الإنجاز العلمي العظيم والعجيب والساحر له تداعيات مدمرة، فهي تسلب الفرد فرديته، وتسلب العقل ذكاءه، وتحرم البيت من دفء المودة والتواصل، وتخلّ بميزان المجتمع، وعلى المدى، الأقل من البعيد، تعبث بأمن الدولة... فالخطر أعظم من مجرد قائمة جرائم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها