النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

الديمقراطية بداية ونهاية العرب وطريق الخروج من تصنيف «الدول الفاشلة»!

رابط مختصر
العدد 11075 الإثنين 5 أغسطس 2019 الموافق 4 ذو الحجة 1440

منذ بداية المشروع النهضوي العربي جرى الحديث عن أن من شروط الخروج من حالة التخلف العام التي وقع فيها الوطن العربي ضرورة الأخذ بالتنظيمات الحديثة التي أخذت بها الدول الغربية، ومنها النظام الديمقراطي بصيغته الغربية تحديدًا، وأن هذه الحاجة لا غنى عنها، حتى تستقيم الأوضاع العربية، كضرورة حتمية، لكون الديمقراطية قد أصبحت حقًا عامًا، وكذلك الوسيلة الأمثل لإطلاق طاقات الأوطان والشعوب وتحريرها، باعتبارها القاعدة التي تبنى عليها العلاقة بين الدولة المدنية الحديثة وشعوبها. فعندما تنتظم هذه العلاقة على أساس ديمقراطي يمكن تحصين جبهة الوطن الداخلية في وجه أي خطر خارجي أو داخلي.

وحتى الموروث العربي الفكري والسياسي النهضوي لم يخلُ من الجدل حول موضوع طبيعة النظام السياسي العربي الحديث ومتطلبات الدخول للحداثة، ولم يكن ببعيد عن المسألة السياسية، باعتبارها محورية من أجل تحديث المجتمعات. فالنظام الديمقراطي وقيم المشاركة السياسية أساسيان في سبيل بناء دولة حديثة، منسجمة مع القيم الإنسانية العالمية السائدة، تنهض على أساس المواطنة المتساوية، بعكس المنطق المحافظ في البلاد العربية الذي يرتد إلى الأصول، أو ما يراه أصولاً، انطلاقًا من المصطلح السياسي-الديني الذي لا يزال يدور في فلك المنظور التقليدي، ضمن سياق مشاريع الإسلام السياسي، بأشكالها السياسية والفكرية المتعددة والمتنوعة.

وبغض النظر عن تفاصيل تلك التحولات والصراعات واختلاف الرؤى حول أفضل النظم السياسية، سواء على صعيد الفكر، أو على صعيد السياسة، فمن الواضح، بل من الثابت اليوم أن الديمقراطية في صيغها المستقرة في العالم المتقدم، قد أصبحت ثابتًا عند الحديث عن النظم السياسية الحديثة، وأصبح يتبناها حتى عتاة المعارضين للنظام الديمقراطي، بغض النظر عن مدى القبول بها، كاملة في تكامل عناصرها، أو انتقاء بعض العناصر دون البعض الآخر (كما تفعل بعض التيارات السياسية أو بعض النظم). حيث بات من الواضح، بل من المؤكد أنه لا يمكن تحقيق هذه الديمقراطية، إلا إذا اجتمعت في النظام السياسي المبادئ التي تؤسس للنظام الديمقراطي المتكامل، وفي مقدمتها الحرية (شاملة حرية الرأي والفكر والتعبير)، والتعددية السياسية الحزبية، والمشاركة السياسية، والفصل بين السلطات، والتداول السلمي الديمقراطي على إدارة الشأن العام، ضمن ثوابت الدستور والقانون، والعمل على إساء نظام اجتماعي-اقتصادي عادل، بحيث لا تبقى الديمقراطية مجرد منظومة من الضمانات المؤسسية الدستورية والقانونية فقط، بل تتحول إلى نمط من الحياة السياسية، لا يكتفى بإعطاء أكبر قدر من الحريات لأكبر عدد من المواطنين، بل يعمل جاهدًا على حماية هذه الحرية وإعطائها مضمونًا اجتماعيًا. فالتفاوت الاقتصادي الاجتماعي الكبير يمكن أن يهدد التماسك الاجتماعي، ويؤثر على مبدأ المساواة السياسية الذي تعبر عنه الديمقراطية وتضمنه. ومن هنا لا يمكن الفصل بين الجانبين السياسي والاجتماعي في أي تجربة ديمقراطية، تروم تحقيق الاستقرار واستدامته. وهذا في الحقيقة ما تعبر عنه بوضوح العديد من الدساتير في البلاد العربية على الصعيد المبدئي، إلا أن المشكلة تبقى في أغلب الأحيان في المسافة الفاصلة بين النظري والتطبيق. ولذلك فإن الدول الموصوفة بكونها ناجحة سياسيًا، هي التي تأخذ بالمعادلة الديمقراطية التي تجمع بين المبادئ الديمقراطية والسلوك الديمقراطي، لأن النجاح في تحقيق التحول الديمقراطي وبناء السلم الأهلي النهائي هو ما يجنب الدول الوقوع في دوامة الصراعات التي المنهكة للبلاد والعباد.

وفي هذا السياق، وقبل فترة ليست بالبعيدة، تم نشر عدد من الوثائق التي تؤكد وجود خطط لزعزعة عدد من الأنظمة من قبل بعض القوى الخارجية الغربية. ولم يكن نشرها في حينه غريبًا ولا مفاجئًا، لأنه قد سبق التعبير عن هذه الإرادة منذ سنوات عديدة، وتحديدًا بُعيد اعتداءات 11 سبتمبر 2001، حيث تم استخلاص نتيجة موجزة، وهي أن ما يسمى «الدول الفاشلة» هي التي تفرخ التطرف والإرهاب، وأنه لا حل لهذه المعضلة سوى بالدفع إلى تبني النهج الديمقراطي. فهذا المفهوم قد اقترن بالحرب الأمريكية على العراق واحتلاله، ضمن التوجه إلى «التغيير الديمقراطي جنبًا إلى جنب مع الأبعاد الأخرى»، بإعادة ترسيم الخرائط السياسية في المنطقة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية، تحت شعار إقامة دول أو دويلات أكثر تجانسًا وانسجامًا كبديل لنموذج الدول الفاشلة. 

ومع ذلك، وبالرغم من وجود هذا البعد ضمن التوجهات والخطط ذات العلاقة بالمصالح القومية الغربية، فمن المؤكد -بعد المعاينة التجربة على صعيد الواقع- أن موجة الانتفاضات التي اجتاحت عددًا من الدول العربية، ومازالت تفاعلاتها وأصداؤها ممتدة إلى الآن، لم تنشأ كلها من فراغ، ولم تكن مجرد (مؤامرة غربية) مثلما يدعي البعض، بل كانت في أساسها وليدة ظروف مجتمعاتها داخليًا على كافة المستويات، بل نتيجة للعجز عن مواجهة التحديات وإشباع الحاجات الأساسية للمواطنين، وتحقيق الأمن المقترن باحترام حقوق الإنسان، والتنمية المقترنة بالعدالة الاجتماعية، والديمقراطية المقترنة بالعقلانية، بحيث تتكفّل الدولة الديمقراطية بحماية الحرّيات جميعها وفق القوانين الضابطة للحياة الجماعية والنظام العقلاني. وإنّ تعريفًا بهذا المعنى للدولة يتوافق مع طبيعة المجتمعات الحديثة أو «مجتمعات العقد»، حيث تنهض العلاقات الاجتماعية على ميثاق الثقة والذي يظهر عندما يضع الجميع ثقتهم في المؤسسات التابعة للدولة والتي يسيرها النظام العقلاني الذي يسيّر بدوره حياتنا وينظّم العلاقة بين المواطن والدولة. إلا أن هذه الحقيقة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن مخططات معلنة معادية، لها علاقة مباشرة بمصالح أطراف دولية، شاركت بشكل علني، في هندسة التآمر على بعض البلدان العربية، تحت شعار نشر الديمقراطية. إلا أن ذلك لا يمكن اتخاذه مبررًا للتحفظ على الديمقراطية أو الأخذ بمتطلباتها، لأن الديمقراطية التي يتم بناؤها وطنيًا بالتوافق الوطني وبالحوار الوطني وبالإجماع الوطني، هي الرد الحقيقي على أي تآمر خارجي، وهي التي تؤمن وحدة البلاد على المدى البعيد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها