النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

عن حقوق الإنسان

رابط مختصر
العدد 11073 السبت 3 أغسطس 2019 الموافق 2 ذو الحجة 1440

لن تجعلنا – كما يشرح الكاتب الصحفي التونسي الصافي سعيد في كتابه «سنوات المتاهة» – حقوق الإنسان أو تسوياتها غير المخجلة بين العار والمستقبل نبارك جرائم الرأسمالية، كما لن تجعلنا الرأسمالية بسوقها الممتد حتى آخر الأرض، بإغراءاتها غير المحدودة او بأنماط انتشارها واختراقاتها البديعة أن ننسى حقوق الإنسان التي تتعرض لتشويهات وسفالات من أجل التسليم بأن الفاشيين هم أيضاً مبدعو حريات!.

علينا أن نمزق الأقنعة لنرى ما يوجد تحتها..

وانطلاقًا من ذلك نتوقف عند أهم المنطلقات التي مضى في مناقشتها بداية اذا يبعث موضوع حقوق الإنسان على الملل، فهو يملك جاذبية مغرية في الآن نفسه ممل لأنه أصبح أسطوانة فولكلورية يرددها الجميع بلا استثناء: العسكر مع الفنانين.. السياسيون – المتلونون – مع المقاولين.. النساء مع التجار، الأصوليون مع الليبراليين والندبات مع راقصات الباليه.. وجذاب لأننا لا نعرف بالضبط حدود تلك الحقوق..

ها هي أولاً قائمة بهذه الحقوق التي ستكون من الآن فصاعداً غير منفصلة عن قواعدها الأساسية.. الطبقة الأولى لهذه الحقوق، تلك التي تتعلق بحق الإنسان في الحياة، في الأمن، في التساوي بغيره أمام القانون، في عرض سلعة وطلب حاجياته.. ثم تأتي الطبقة الثانية وهي التي تتعلق بحرية التعبير، في تنقل الأفكار والآراء في المشاركة بمشروع السلطة السياسية.. في التنقل والسفر بحرية كذلك في الراحة والسعادة.. بعدها نصل إلى الطبقة الثالثة وهي التي تتمثل في حق المعارضة للسلطة، حق المعارضة لرأس المال، حق التنظيم الذاتي وصولاً إلى حق معارضة تلك الحقوق.. وحق الاختلاف..

إن عصرنة هذه الحقوق وإعادة الاعتبار لها تذهب بعيداً إلى عدم التحكم في النظام العام بيد أن الضروري والأساسي من هذه الحقوق لازال خاضعاً للتأويل والتصعيد.. فكثيراً ما يجد المرء نفسه قد تعرض للعنف دون أن يعرف مصدره الملموس، بل غالباً ما تكون هذه الحقوق ذاتها نوعاً من التغطية القانونية المصادرة العنف، إن التطور العلمي يسمح لنا جميعاً باحترام هذه الحقوق من ناحية، ولكنه من ناحية ثانية يقيم عراقيل كثيرة إلى حدٍ يجعلنا أمام حتمية الخضوع للتقنية، ومن الأمثلة التي يذكرها هنا الطب مثلاً اذا لم يلتزم بأخلاقيات جداً دقيقة، فإنه سينزع إلى الإجرام ولا يستطيع الإنسان أن يحمي نفسه من تعاليم او من سلطة الطب، كذلك رجال الاختصاص جميعاً في الأمن او في المحاماة او في تدقيق الحسابات، إن هؤلاء لقادرون بفضل تقنيات عديدة غير خاضعة للمراقبة أن يخفوا تعدِّيهم على هذه الحقوق ويجعلوا من الأغلبية ضحايا محشوة بالأمل الكاذب.

ولكي يعزز تفسيره لهذا الكلام يقول: لا يختلف الأمر البتة، ففي المجتمعات المتقدمة المتعددة او في المجتمعات المختلفة والآحادية تصطدم حقوق الإنسان بتقنيات عالية ومعقدة تجعل منها مجرد أقنعة تختفى وراءها كل الممارسات المضادة والفتّاكة لهذه الحقوق، إن التقنيات هي أساليب ملتوية، لكنها شرعية تلعب دور الآلة الضخمة بيد حفاري قبور تلك الحقوق.. وهذا لوحده كافٍ لإثارة الرعب دون أن نمضي إلى التساؤل عن ذلك الرعب المكشوف الذي يعيشه الإنسان منذ عقود ويعني به رعب الأسلحة النووية ذات الدمار الشامل، فحتى لو أضفنا إلى قائمة الحقوق، حق الرعب او الخوف، فإن المسألة ستطال حقوق القتل وحق الإبادة، من هنا يبدو السؤال التالي جداً مثيراً: من يملك حق المحافظة على هذه الحقوق.. الإنسان أم الدولة؟

في تعبيره الدولة مهما كانت درجة تطورها وبما هي عليه من طبيعة قسرية فإنها لا تملك هذا الحق، والخطوة الثورية حقاً هي أن تتخلى عن حمايتها او ادعاء ذلك.

ولأن كثيراً من الدول أصبحت هي الوصية على هذه الحقوق، فإن الأخطار الأكثر فتكاً بهذه الحقوق قد لا تأتي إلا من هذه الدولة /‏ الوصي.

وبجانب هذه النتيجة يتساءل: اذا كانت حقوق الإنسان هي أولاً حقوق كل فرد، أليست هي أيضاً معرضة للمصادرة من الإنسان الآخر؟ وما يسميه كانط بـ «سيطرة الغابات» هو بالضبط تعدد تلك الإرادات الحرة وتوحيدها عن طريق العقل، ولكن ألا تعني الحرية بالنسبة للإرادة الأخرى إمكانية نفسها أو على الأقل محدوديتها؟ إن الحرب بين الحريات المتعددة والمختلفة هي حرب بين الإرادة المنفلتة، وهذه لن تجد نهايتها إلا في العدل والعدالة، بيد أن المسألة ستظل معلقة اذا ما عرفنا الحدود القانونية لهذه الحقوق هي طريقة أخرى للتعامل مع الإنسان صاحب هذه الحقوق كسلعة حين يصبح خاضعاً لمقاييس لا يتحكم فيها.

وفق كل ما سبق، فإن التساؤل الذي نطرحه هنا يتعلق بحق الدولة في التدخل في هذه الحقوق وما اذا كانت الدولة، أية دولة هي الحاضنة الأولى او المنتهكة الأولى لهذه الحقوق؟ ينطبق ذلك على المواطنين في علاقاتهم بدولهم، كما ينطبق على الدول المحلية والصغيرة في علاقاتها مع الدول الخارجية الأكثر قوة وقدرة على التدخل.. والأكثر مدعاة للدهشة هو ما تثيره هذه الحقوق بالسيادة الوطنية: أي إلى أي حدٍ ستبقى هذه السيادة مقدسة؟ وأين تقف؟ وأين تبدأ هذه السيادة؟ وكيف يمكن معالجة هذه السيادة اذا كانت معطلة للديمقراطية أو الحقوق الإنسان؟.

في رأيه سيظل النقاش مفتوحاً ما لم تتوضح عدة مفاهيم لعدة كلمات /‏ مصطلحات هي أصل الخلاف في النظرة إلى حقوق الإنسان، وكمثال على ذلك ما هو المفهوم الذي ستتبناه حقوق الإنسان لكلمة «سيادة»، هل السيادة هوية متكاملة أم هي إطار قابل للاختراق؟ كذلك ما هي الهوية؟ هل هي تلك الكينونة النائمة في حضن الحنين والخوف من الآخر أم هي في عناق التاريخ والمستقبل؟ كذلك ما هو مفهوم كلمة غرب؟ هل هو وحده جغرافية نعني بها أوروبا وأمريكا الشمالية أم هي فكرة عن الحداثة ليس من حق الغرب أن يزعم ملكيتها او التصرف فيها؟ وسيتوجب ذلك التساؤل حول الفردانية وما إذا كانت انتصاراً للجماعة وانتصاراً للعزلة، أما حق التدخل الذي أوشك أن يصبح شعاراً ثورياً فإن حدوده لا تبدو واضحة إلا اذا عرفنا أخلاقياته الجديدة، اذ كيف سيتم هذا التدخل؟ عن طريق الإقناع والتصويب والإرشاد والتعاون أم عن طريق التهديد وقطع المساعدات وفرض الحصارات والعقوبات!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها