النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

في صحبة الكتابة (1)

رابط مختصر
العدد 11073 السبت 3 أغسطس 2019 الموافق 2 ذو الحجة 1440

الكتابة عالم شاسع له أول وليس له نهاية، يتيه فيه الكاتب والقارئ معًا، وهي لجة عميقة لا يسبح فيها إلا من يجيد العوم، وهي مهنة وولع يأخذ بلب الكاتب، ويشغله عن بقية شؤون الحياة، فإن تفرغ لها نال رضاها ووصالها، وإن تهاون تركته إلى غيره ممن يمنحونها وقتهم وحياتهم، وهي متنوعة ومتعددة تنوع وتعدد البشر والكتاب في البلدان والأمصارالمختلفة، فلكل شيخ في الكتابة طريقة، ولكل كاتب أسلوب يتخصص به، ويدل عليه، ويبرع فيه، حتى أنك تعرف الكاتب من خلال أسلوبه، وهذا الاختلاف والتنوع هو مصدر متعة للقارئ، فالتنوع يطرد الملل والتكرار والثبات على نوع واحد وكاتب واحد، وهناك تنوع آخر يتجلى في ما عرفه النقاد بأسماء مختلفة، فهناك الرواية التي تغطي مساحة واسعة من الحياة، وهناك الشعر الذي يأسر القارئ بالبلاغة والشفافية والموسيقى والرهافة، وهناك القصة التي تختزل وتضيء وتفتن القارئ، وهناك الأنواع الأخرى الكثيرة المعروفة كالمسرحيات والنصوص المفتوحة والكتابة النقدية والمقالات وغيرها. 

ولا يتشابه الكتاب في كل نوع من هذه الأنواع، فلكل كاتب لغة ونكهة مختلفة. التنوع في الكُتًّاب والكتابة يخلق تنوعا في الإبداع والخلق فأنت تستمتع عندما تقرأ نجيب محفوظ، وتستمتع وأنت تطالع قصيدة للسياب، وتكون في غاية المتعة وأنت تقرأ قصص تشيكوف القصيرة. 

وقد قيل الكثير في الكتابة، وأدلى كتّاب كبار كثيرون بدلوهم فيها، ومجدوها وأطروها ورسموا الهالات حولها وبجلوها، ووضعوها في منزلة رفيعة، ولطالما قربها الملوك والسلاطين في الماضي لما فيها من تأثير على الناس، ولما فيها من تسجيل للتاريخ، فكان سيف الدولة الحمداني يقرب أبو الطيب المتنبي في مجلسه ويمنحه أضعاف ما يمنح الشعراء الآخرون، ولولا قصائد المتنبي في سيف الدولة، وكان المتنبي يصحبه في حروبه، لما عُرفت تفاصيل حياة سيف الدولة وإنجازاته التاريخية الكبيرة والصغيرة، وعندما إختلف سيف الدولة مع المتنبي بسبب حسّاد المتنبي من الشعراء الآخرين الذين دسوا بينه وبين الأمير، خرج المتنبي بإنفة فقد كان عزيز النفس، فتوجه إلى كافور الأخشيدي ملك مصر الذي كان يريد أن يستفيد من موهبة المتنبي الكبيرة، فالكتابة قوة ناعمة تغزو القلوب والعقول والأفئدة وتستحوذ عليها، ولا زال زعماء الدول يقربون أصحاب القلم ليبرزوهم ويحسنوا صورهم ويعددوا إنجازاتهم أمام الملايين، وفوق ذلك فالكتابة تاريخ مسجل يخلد هؤلاء الزعماء. 

ولطالما كانت الكتابة لسان حال البشر المهمشين والمستضعفين والمنكوبين والمستغَلين، فتصور حياتهم وأمانيهم وترسم أحلامهم وتنير لهم الطريق والهدف. وتعتمد الكتابة على الموهبة والثقافة والخبرة، وكلما عظمت هذه الأعمدة الثلاثة زادت الكتابة رفعة ومكانة ومتعة. وهناك إجماع لدى مشاهير الكتّاب، على أن الكتابة يجب أن تعني للكاتب مجمل حياته، فإذا أراد أن يكون كاتبًا جيدًا، فليجعل الكتابة هي همه الأول في الحياة، وليرتب حياته لكي يكون مؤهلاً للإبداع فيها، بارعًا وصائغًا مُجيدًا لها، ومن أجل ذلك ترى أن الكتّاب في العصور الحديثة، على أنواعهم يعملون في مهن متصلة بالكتابة كالتدريس في الجامعات، أو الالتحاق بوظيفة بسيطة، وهي مهن لا تدر مالاً جيدًا للعيش خصوصًا في عصر الغلاء الفاحش ومتطلبات الحياة الكثيرة، ولكنها تدر إبداعًا للكتاب، وهو أهم من المال. 

وإذا لم ينتبه الكاتب إلى أهمية التفرغ الذي تحتاجه الكتابة، واختار مهنة تأخذ كل وقته كالعمل في القطاع الخاص على سبيل المثال، لن يصبح كاتبًا جيدًا، وقد يفقد الكتابة بأكملها، وأعرف كتّابًا كثيرين من زملاء الكتابة الذين غدرت بهم المهنة، رغم أنهم كانوا أصحاب موهبة. وكم ابتلعت مطالب العيش من المواهب خصوصا في البلدان التي لا يستطيع الكاتب أن يعيش فيها من الكتابة مثل بلداننا العربية. لكن التفرغ وحده لا يخلق مبدعًا، فلا بد من توفرالموهبة، وهي عبارة عن قدرات تولد مع الكاتب، لكنها قد تموت إذا لم تجد الرعاية والبيئة المناسبة التي تحتظنها، وهي بيئة تصنعها الدولة والمجتمع، وكلا الأمرين غير متوفرين في البلدان العربية إلا بحدود. 

هل هناك لوازم أخرى للكتابة؟ القراءة، وهي عماد الكتابة الذي لا تقف الكتابة على قدميها من دونه، فالقراءة توفر للكاتب الثقافة والعلم والمعرفة، ما يجعله مخزنًا ممتلئًا يفيض إذا حلّت لحظة الكتابة وأشرقت شمسها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها