النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

النوستالجيون ومقولة «الزمن الجميل» (2 /‏‏ 3)

رابط مختصر
العدد 11071 الخميس 1 أغسطس 2019 الموافق 29 ذو القعدة 1440

لم يحدد لنا النوستالجيون معيار «الزمن» لا فيزيائياً ولا لغوياً ولا فلسفياً، وكل ما تركوه لنا من استنتاجات هلامية هو حالة التناقض بين الاحسن والأسوأ والتبسيط والتعقيد، والألفة والنفور، العطاء والكرم والجود والإيثار والبخل والأنانية، كل تلك المتناقضات بين زمنين، تلاشى ومستمر، هي حالة من الصعب أن نقبض عليها وعلى حركتها خاصة، وأن فعل الزمن كمقولة مرهونة بالمكان والمادة والحركة ولا يمكن فصلهما.

وبما أن الزمان لا يرتد، بمعنى أن كل عملية مادية لا تتطور إلا في اتجاه واحد من الماضي الى المستقبل. والحركة هي «ماهية» الزمان والمكان. وفي عالم اللغة فالزمن يعني وقت قصير أو طويل، لذا حينما نردد عبارة عفا عليه الزمن، فإن الاحداث قد تجاوزته وصار متخلفاً، صار قديماً بالياً.

وبما أن الزمن المطلق في حالة سيولة أزلية، فنحن كثيراً ما نخلط ما بين عبارة «الوقت» و«الزمن» بين النسبي والمطلق، وقد حددت اللغة قاموسيا الزمن كونه وقتاً طويلاً او قصيراً، فوجدنا اللحظة «المومنتم» هي ذلك الجزء الصغير من الوقت نفسه، حيث في عالم المحسوسات وتوقيت الساعة والرزنامة تصبح «الثانية» جزء من الدقيقة، والدقيقة جزء مجزأ من الساعة فيما الساعة زمن مقسم في الأيام فالأسابيع والشهور والسنة، ثم يستطيل الزمن في دورته نحو السنوات والعقود والاجيال والمراحل والحقب والعصور المتوالية، فينفلت الزمن في دورة الحياة الكونية نحو البعيد وتتحول أزمنة السنة الى فصول خريفية وربيعية.. الخ، ويستعير الأدب والفلسفة من تلك الخارطة الزمنية الشاسعة في حركتها استعاراته ورموزه وإشاراته.

وقد حاول نهج نيوتن فصل الزمان عن المكان كما نحّت الفيزياء الحديثة جانبا التصورات القديمة عن الزمان والمكان على أنهما وعاءان فارغان، وبرهنت على علاقتهما العميقة بالمادة، التي هي في حركة، والنتيجة الرئيسة في نظرية النسبية عند اينشتاين هي بالضبط تأكيد أن الزمان والمكان لا يوجدان بنفسيهما معزولين عن المادة، بل هما جزء من العلاقة المتبادلة المتشابكة.

النوستالجيون معيارهم للزمن عاطفي لا يتقيد برزنامة، ولا بقيم محددة في وقتها، وإنما يتشبثون بأفضلية ذاك الزمن عن اللحظة الراهنية دون أن تكون لهم قدرة موضوعية على تأكيد غنائيتهم الانسانية والعاطفية بأنها فعلاً عالم أفضل.

تلك اليوتوبيا القريبة لمشاعر البشر المحبطين والحالمين، يستعيدون تلك اللحظات في «فرجان لاول» – أي الأحياء القديمة الترابية والطينية بأزقتها وبؤسها ومستنقعاتها ووهجها الرومانسي، وبأن تلاشيها المدمر قد يتسبب بانقراض تلك المدينة الفاضلة.

مشكلة من قدموا فيديوهات سواء عن أحياء الماضي وقصصها او نجوم الزمن الجميل - لاحظوا تمددت الحالة الى الواقع الكروي الساذج - بعد أن كانت متمحورة في السوسيوثقافي، حيث العلاقات الانسانية والفنون والبيوت والقيم معا في تلك الافلام «السريعة الصنع» بينما بالإمكان استخراج أفكار ومادة ثرية من تلك الإبداعات الشعبية الطيبة الحالمة بل والمتألمة لواقع بلادنا فلم ترَ منه إلا صوراً سلبية لا غير، وهي بمنطق التطور التاريخي قائمة وزائلة بالضرورة. النوستالجيون لا يرون ذلك مثل المعتقدات والطقوس الدينية عند الشعوب المهووسة بعالم الأيقونات والأساطير والخرافات.

الأغاني المرافقة لأفلام «الزمن الجميل» نمط من نصوص الندب والبكاء الانساني المدمر، الحزن النوستالجي الغارق في تراجيديا الفجيعة، بين حالة ما كان سابقا وما نحن عليه الآن في الواقع، فتكون النتيجة رؤية نصف الكأس او رؤية الشجرة بدون الغابة. لقد ادخلتنا وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الدفق الهائل من النتاجات «الإعلامية» التي أجد فيها من جوانبها الايجابية، امكانية اكتشاف الطاقة الابداعية عند الشباب والشعب البحريني، والرغبة الكامنة في تقديم ما هو جديد ومؤثر وحيوي، وعلى المجتمع المدني والجهات الرسمية «اقتناص» تلك المواهب المنسية، ومعرفة مدى اماكنية صقلها وتأطيرها وتطويرها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها